بلا شك هذه المرحلة الزمنية التي نشهد من خلالها قفزة نهضوية سعودية طموحة نحو العالمية تتطلب منّا التغيير في أغلب الأنظمة والإجراءات في وزارتنا ومؤسساتنا وأولها النظام التعليمي، وللأمانة شهدنا في الفترة الأخيرة تنظيمات تعليمية رفيعة التخطيط تهتم بترقية التعليم إلى طموحات وتطلعات الرؤية السعودية المستقبلية وتهدف في مضامينها إلى تكثيف الجهود نحو نواتج التعلم، ومنها ما جاء بخصوص التعليم العالي والنظام الجديد للجامعات الذي يصنع استقلالية للجامعات وينمّي التنافسية بينها. وفي اعتقادي هذه الاستقلالية ستزيد من التركيز على التعلم الذاتي والتفكير الناقد وحل المشكلات وأساليب البحث والاستقصاء وتطوير الخطط والبرامج الدراسية الأكاديمية وتحديثها لتحسين جودة ونوعية مخرجات التعليم العالي لتتواءم بدورها مع متطلبات سوق العمل المحلي والعالمي.

وقد سبقتنا العديد من الجامعات العربية العريقة في بغداد ومصر وغيرهما، ولا توجد لدي تقارير وإحصائيات دقيقة عن التجربة معها، ولكن يمكنني القول إن استقلالية الجامعات بأنظمتها يتطلب توفير البيئة الجامعية الذكية على مستوى عالٍ التي تحقق التميز الأكاديمي، إضافة إلى التركيز على صقل شخصية الطلبة وترسيخ المواطنة لديهم وتنمية العلاقات الإيجابية داخل الجامعة وخارجها، بما فيها تنمية مهارات الحوار واحترام الاختلاف والعقلانية وأدبيات النقد، وتكثيف تواصل الإدارة الجامعية والهيئات الأكاديمية مع الطلبة للوقوف على حاجاتهم ومشكلاتهم بهدف تعزيز انتمائهم للجامعة والوطن، وفي المقابل التوسع في دور الجامعة ليشمل خدمة المجتمع والتوأمة مع تطورات سوق العمل من خلال البحث العلمي وتجاربه ووضع دراسات مشتركة مع القطاعات المهتمة في الشأن التطويري؛ بحيث يتم تزويد الجامعة بنتائج تقريرية من سوق العمل حول مخرجاتها التعليمية ومدى ملاءمة أبحاثها للسوق ومساهمتها في تطوير الصناعات وكل ما يخص الجانب المهني.

من أجل هذا كله وحتى تحقق وزارة التعليم بنية متينة تنطلق منها جامعاتنا ولكي لا تترك الأمر للاجتهادات وغموض المستقبل، وبالتالي تسير نحو أهداف واضحة وجلية النتائج ينبغي التركيز في هذه المرحلة قبل الشروع في تنفيذ النظام الجديد على رافدين مهمين؛ الأول دعم الجامعات بعقول شبابية استثمارية جديدة متمكنة، والثاني توفير رافد اقتصادي داعم للجامعات حتى تكون هناك بيئة تحتية اقتصادية ذات حوكمة محكمة المعايير والقوانين تنطلق منها الجامعات، ولا أجد أنسب من شركة أرامكو في ذلك؛ خاصة أنها أثبتت نجاحاتها ولها تجارب مع العديد من المشاريع.. أرامكو لديها الخبرة الكافية لدعم السياسات التعليمية لنظام التعليم الجديد ورسم خطط تمويلها، وغير ذلك من الأمور الإدارية والمالية، بما فى ذلك الإشراف على الإدارة للهياكل الأكاديمية الجامعية واختيار النموذج التعليمى الأكثر ملاءمة لتوجهات الجامعة الاستراتيجية، كما ستسهم في دعم إمكانية وضع استراتيجية شاملة لضبط وإدارة الجودة؛ وذلك من خلال تطوير وتطبيق معايير الاعتماد ومعايير الجودة الخاصة، وبهذا يكون النظام (الجديد) للجامعات قد أحدث نقلته النوعية في مسيرة الجامعات السعودية على أسس من التمكين والتميّز والجودة والمساهمة في تطوير العملية التعليمية والبحثية وتنمية الموارد البشرية والمالية للجامعات بما ينسجم مع رؤية المملكة 2030.