يبدو أنّ على سعادة مدير عام الخطوط الجوية العربية السعودية المهندس صالح الجاسر، أن يبادر فوراً إلى (تأنيث) أكبر قدر ممكن من قطاع ناقلنا الوطني، (فبعض الرجال) أثبتوا أخيراً أنهم ليسوا على (قدّ) كلامهم، ولا هم على قدر (وعودهم) في شعاراتهم التي يرفعونها «نعتز بخدمتكم» أو «أنت عالمك» أو الكلمة التاريخية «أبشر» أو (أبشروا)، وغيرها من الأقاويل والادعاءات التي لا تتجاوز الورق أو الشاشات، ومنها ما يبقى أسير الألسنة، فلا يخرج منها ويدب على أرض الواقع ممارسةً وتطبيقاً وحياة.

إنني لا ألقي الكلام على (عواهنه)، وإن كنت لا أعرف معنى كلمة (عواهن) إلاّ أنني متأكدٌ أن بعض مسؤولي الخطوط السعودية يعرفونها جيداً كونهم يمارسونها، وقد حدث لي أخيراً عندما كنت مسافراً إلى القاهرة في رحلة عمل صحافي، حيث حضرت إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة مبكراً، فاكتشفت عند موظف (إصدار بطاقة صعود الطائرة وإدخال العفش) أنه حدث خطأ مني عندما حاولت تقديم موعد الرحلة إلى يومين قبلها أثناء الحجز، فإذا بي أؤخرها شهوراً، المهم أن الموظف قال لي اذهب إلى المبيعات، وقم بتغيير الحجز إلى الرحلة التي قصدتها، هناك مقاعد وبقي على الإقلاع ساعتان، وفعلاً حملت حقيبتي الكبيرة وصعدت سلمين إلى المبيعات التي قال لي موظفها اذهب إلى المشرف واطلب منه يفتح الرحلة، قال لي الأخير بلهجة فيها ازدراء ارجع إلى المبيعات وقل لهم الرحلة مفتوحة، عدت إليهم مثقلاً بالحقيبة وصعود السلالم لأفاجأ بأن على المشرف أن يقوم بعمل (ما) كي يتم الأمر! ظللت على هذه الحال، أي كالكرة التي يتقاذفها لاعبان يتسليان بها مدة أربعين دقيقة في خمس جولات ذهاباً وإياباً بين سعادة المشرف وبين موظف المبيعات، فلا الأول كان يبدو عليه أدنى درجة حماس لمساعدتي أو حتى ابتسامة صفراء يمثل بها عليّ أنه يعتز بخدمتي! ولا الثاني كان مستعداً لأن يقوم بأي مبادرة ما قد تحل مشكلتي وتفيد مؤسسته وتزيد من ربحها، فهناك مسافرون كثيرون مثلي يمرون بظروف كهذه وعندما يكون هناك تعامل مرن في حل مشكلاتهم فإن ثقتهم بالناقل الوطني ستتضاعف فضلاً عن إضافة مداخيل مالية للخطوط السعودية.

في عزّ شعوري باليأس، شاهدتني فتاة نحيلة منقبة كانت على مكتب من بين اثنين أو ثلاثة مكاتب في غرفة مكتب المشرف حينذاك، سألتني ما مشكلتك؟ شرحت لها الأمر، قالت: هل لديك فيزا؟ لا، معي (كاش) قلت. فتحت اللابتوب الذي أمامها وفي ثلاث دقائق وجدت لي حجزاً على نفس الرحلة ودفعت من بطاقة الفيزا الخاصة بها مبلغ 112 ريالاً قيمة التغيير وطالبتني بالذهاب سريعاً لاستلام بطاقة صعود الطائرة وإنهاء إجراءات العفش، شكرتها وأعطيتها 120 ريالاً فقالت ليس لديّ الباقي، قلت لها: كلها ثمانية ريالات ولن أستطيع الانتظار أريد اللحاق بالرحلة، وبمجرد أن أنهيت إجراءاتي متوجهاً للصالة الدولية فإذا بالفتاة المنقبة النحيلة ذاتها توقفني لتقدم لي الريالات المتبقية، لم يكن ثمة منتهى لشكري وامتناني لها وقبل ذلك فخري بها كشابة سعودية تحقق الشعار الذي تردده الخطوط السعودية على مسامعنا دون أن نبصره حياً وممارساً في واقع التعامل معها. دعوت لها في سري كثيراً، وتأملت اليوم الذي نرى فيه ناقلنا الجوي الوطني قد طاله كثير من التأنيث ليس في الوظائف الصغيرة فقط، بل حتى الوظائف الكبيرة والقيادية تحتاج إلى لمسات الأنثى كي يحدث التحول والتغيير، لأن السعودية الجديدة، بثقة وتطلعات وجموح ورؤية سمو ولي العهد، أثبتت أن الحلول قد تكون لدى النساء!