بعد مشاهد بيروت المحترقة، وملايين المحتجين المطالبين بالحد الأدنى من ظروف الحياة، تذكرت المثل اللبناني الشهير الذي يقول «نيالو يلي عنده مرقد عنزة بلبنان»، المثل يختصر كيف تراجع لبنان بعدما كان سويسرا الشرق، ومركزه الحضاري ببيروته وجبله وساحله، بفريا وبعبدون وعالية، بمقاهي الجميزة وشارع الحمرا وبعلبك وحلويات الحلاب في طرابلس، بجونية وبنت جبيل والبقاع وتل الزعتر، بنهر الليطاني وصور وصيدا، بعين مريسة، والسوليدير، ورأس بيروت وحارة الأرمن والروشة.

كان لبنان جوهرة تاج العالم العربي، ومقصد المال والسياحة والكتابة والنشر والتأليف والموسيقى والفنون، وكانت بيروت عاصمة السياسة والصراعات الفكرية، وفي شوارعها دارت أهم معارك السياسة، ومن أحيائها سالت دماء أشرس الحروب الأهلية، أنتجت أقصى يسار العرب من العلمانية والليبرالية واليسار والبعث إلى الشيوعية، وفي الوقت نفسه خرج من رحمها أكثر اليمين تطرفاً مسيحيين وإسلاميين.

إلا أن أحداً لم يتخيل أن اللبناني الذي يتحدث الفرنسية بطلاقة، والمحب للحياة والأناقة ويستهويه التحضر يصبح أسيراً لحزب ماضوي رجعي يعيش الأسطورة ويستحضرها في كل تصرفاته، كيف قبلوا أن يصبحوا أسرى لحزب الله تارة باسم المقاومة وتارة باسم الممانعة وأن يصبح معظم قادته متشيعين سياسياً.

لبنان كما عرفه العالم في الخمسينات والستينات حتى منتصف السبعينات وقليل من الألفية ضاع وذهب وانتهى، إنها حضارة سادت ثم بادت، لبنان اليوم ليس سوى ضيعة ملحقة ببلدية طهران، بسبب اللبنانيين أنفسهم قبل أن تكون مسؤولية السياسيين وزعماء الحرب والطوائف، لقد صدقوا كذبة المقاومة وانجرفوا وراء الحزب الإلهي، واصطفوا معه في خندق إيران وسوريا، آمنوا به وتقدموا عليه في العداء ضد معسكر الاعتدال الذي تقوده الرياض.

على اللبنانيين ان يسألوا أنفسهم لماذا تراجع الاهتمام الدولي ببلدهم لدرجة أن فرنسا «الأم الحنون» للمسيحيين في لبنان ومن تقدم نفسها ضامنةً لمصالحهم لم تعد في وارد الاهتمام بهم لدرجة أنها لم تصدر بيان مجاملة تعرب فيه عن قلقها من الوضع اللبناني الحالي، فهي اليوم مشغولة بظروفها الداخلية واقتصادها المترنح بل وببناء علاقة إستراتيجية مع الإيرانيين حلفاء حزب الله، أما الخارجية الأمريكية فلولا إلحاح الصحفيين لما كانت تطرقت إلى الشأن اللبناني، ودعوتها لتمكين اللبنانيين من التعبير عن أنفسهم، وفي اللفظ السياسي يعتبر ذلك التصريح مجرد رفع عتب لا أكثر ويأتي ضمن تقرير صباحي تصدره وزارة الخارجية، إنها خيارات اللبنانيين التي يدفعون ثمنها اليوم.

هل نسي لبنانيو اليوم كيف أن أيزنهاور رئيس أمريكا القوي أرسل الآلاف من جنود المارينز للدفاع عن حكومة كميل شمعون أمام خطر استيلاء اليسار والشيوعيين على الحكم في بيروت؟

وعليهم أن يتذكروا بحسرة مؤتمرات الرياض والقاهرة والطائف لدعم لبنان خلال الحرب الأهلية وما بعدها، وهل لهم أن ينسوا قوات الردع العربية المشكلة من الجيوش السعودية والسورية والسودانية؟

هل يتذكرون صندوق الدعم السعودي الذي تبنى مشروع الحريري الاقتصادي، وكيف وقفت الرياض معه في «باريس واحد» الأمر الذي مكنه من بناء وسط بيروت ومطارها الدولي وترميم ما خلفته الحرب الأهلية واستقطاب استثمارات بمليارات الدولارات عززت الاقتصاد وخلقت الفرص ورفعت مستوى الحياة بدءا من 95 الى 2005.

اليوم لم يعد هناك أيزنهاور في البيت الأبيض ولا واشنطن لديها الاستعداد للدفاع عن مصالحها في المنطقة فضلاً عن لبنان، والعالم العربي يعيش أسوأ أيامه فلا إجماع عربياً ولا موقف موحداً، ولا مصر بسبب ظروفها الداخلية بعدما لحق بها خلال ما يسمى بالربيع العربي قادرة على مد يد المساعدة والمصالحة، وسوريا بوضعها الداخلي عاجزة عن إنقاذ نفسها، أما الرياض فلبنان لم يعد من أولوياتها بعدما غدر الغادرون وباع البائعون وتنكر من تربى وتعلم وأكل وشرب في مرابعها.

إذن المشكلة الكبرى التي على اللبنانيين أن يعوها وتسببت في إخراج بلدهم من محيطه العربي والدولي هي تصرفات حزب الله من إرهاب عابر وموافقة الأطراف الأخرى في لبنان بمسيحييه ومسلميه على ما يقوم به وإن ضمنيا، ولذلك ليس هناك في الأفق «طائف آخر» ولا قاهرة أخرى، ولن يسكن الاليزيه ديغول ولا شيراك آخران، ولن يعود أيزنهاور من قبره.

* كاتب سعودي

massaaed@

m.assaaed@gmail.com