رغم اختبائه في قبو مظلم، لكنه سمع حناجر كل اللبنانيين تصرخ «كلن يعني كلن نصرالله واحد منن»، نظر إلى ولده محمد مهدي، تحسس عمامته مرتبكا، كان يعتقد أن لبنان ستنتفض له لا عليه، وأنه مستثنى، وأن شعبيته الواهمة ستنقذه، لم يكن يتوقع أن البركان الخامد سنين طويلة سينفجر في وجهه. رأى بعينيه ما لم يخطر على باله يوما، وقيل له إن المحتجين أحرقوا صوره في معاقل حزب اللات في الجنوب والضاحية الجنوبية وبعلبك والبقاع، وعلم الحزب وشعاراته، بل وداسوا عليها.

لم يعد يعني شعب لبنان الحر، أي أحد: حسن نصرالله، نبيه بري، جبران باسيل ولا غيرهم من رموز الفساد، الذين جعلوا من لبنان دولة إيرانية يتحكم فيها نظام الملالي، ولم تعد تعنيهم الولاءات الطائفية، فالجوع والفقر والعوز، كسر كل الحواجز، التي لم يتوقعها أمراء الطوائف والأحزاب الهشة.

في عهد حسن نصرالله، الفقير ازداد فقرا، والغني زاد ثراء، وباتت لبنان الكبيرة بحضارتها وشعبها مستوطنة إيرانية صغيرة، يجوبها الجوع والفقر والفساد المتفشي في أركانها، وترى، في عهد حزب الله، أطفالها يتسولون على الأرصفة، وشبابها يحزمون حقائبهم ويصطفون طوابير، أمام السفارات أملا في الهجرة، أما القمامة التي شوهت لبنان، فقد أصبحت وسما للبنان الجميل.

قام حسن، وطلب من حراسته تأمين رحلة عاجلة إلى قصر بعبدا، دخل من الموقف الأرضي، اقتحم القاعة وهو يرفع أصبعه مهددا من يتجرأ على حل الحكومة استجابة لهؤلاء المتنمرين، الذين سيغادرون الساحات في ساعات، هدد من يستقيل، قال، وهو ما زال يلوح بأصبعه: «هذه الحكومة حكومتي، والقرار قراري»، انتعش جبران باسيل، كاد أن يصفق، هز نبيه بري رأسه موافقا، أما سمير جعجع، فقد عرف أنه المعني كما الحريري، فقام ونظر إليه وهزّ رأسه، وقال له: أنت تضيع وقتنا ووقتك، انتهى العهد، الشعب لا يريد أحدا، وخرج دون أن يلتفت إليه.

في الشارع، كان هناك اجتماع آخر، لم يحدث في تاريخ لبنان قط، وبلا طائفية أو حزبية، لبنان كله ينتفض، لبنان كله يثور، الشعب ضاق ذرعا بالخداع، لم يعد ظهر اللبناني يحتمل أن يبقى جسرا لعبور الوزراء والنواب والمتنفعين وأصحاب العمائم، ولم يعد صدره يحتمل الاعتقالات والرصاص والفساد، دفعة واحدة، فتجمعوا، دون تنسيق أو توجيه، أمام قصر بعبدا الرئاسي، يريدون إسقاط العهد والحكومة التي يسيطر عليها العميل الإيراني الأكبر حسن نصرالله.

بخروج جعجع، أزاح نبيه بري كرسيه وتوجه إلى النافذة، رأى مشهدا غريبا على عينيه، رأى صوره تداس وتمزق، ورسالة تأتيه على هاتفه تقول: «الآلاف من المحتجين اتجهوا إلى شركة زوجتك السيدة رندا وأحرقوها»، ورسالة أخرى تقول «المتظاهرون أمام جميع شركاتك من فنادق ومطاعم وأمام القصور، يحرقون الإطارات ويكسرون النوافذ، ويصرخون نبيه بري حرامي»، فنظر إلى حسن والمجتمعين، وكتب: «فليخرج شبابنا بأسلحتهم، والتصدي لهؤلاء المندسين، حتى لو استلزم الأمر إبادة جماعية»، وقبل إرسالها، طلب من حسن الاطلاع عليها، فهزّ رأسه موافقا.

اتفقوا أن يتوجهوا بقوة وسرعية للإعلام، كل حسب قنواته للدفاع عن هذا الحلف، فظهر المهرج باسيل يتحدث عن إخفاقات الحكومة التي يسيطر عليها، في محاولة لكسب تعاطف الناس، أما حسن نصرالله، فأسقط أحد أقنعته الكثيرة، واستغل ذكرى «أربعين الحسين»، بخطاب شعبوي، وهدد قائلا: «إياكم والخروج عن طاعتي، أنصحكم لا تختبروني، فإذا نزلت إلى الشارع فلن أخرج منه، وإلا عليكم تحمل تبعات تمردكم»، لم يصغ الجمهور الغاضب لتهديدات حسن نصر اللات، بل شتموه ولعنوه ولقبوه بحسن زميرة، فجنّ جنونه، وخرج مرة أخرى، واعترف صراحة، وهو يلوح بانفصال جنوب لبنان، بدولة إيرانية مستقلة، قال: «حزب الله ممول بالكامل من إيران: أكله وشربه وسلاحه وصواريخه»، فقالوا: «الخيانة طبعك، والتآمر وبيع لبنان، ليس جديدا عليك !».

تلقى حسن نصرالله رسالة من خامنئي، حملها له قاسم سليماني، كتب فيها سطرا واحدا: «لا تتراجع، أخرج سلاحك، وإذا اضطررت فأغلق الجنوب، وسنساعدك على حكم فيديرالي، إذا اقتضى الأمر».

* روائية وباحثة سياسية

Noura_almoteari@yahoo.com