يعكس المثل التاريخي القديم القائل إن «جزاء المعروف سبعة كفوف» مبدأ نكران الجميل في أحد أقوى أدواره. ومن الصعب جداً أن تجد من لم يعانِ من آثاره. وبعض الغرائب التاريخية تجسد هذا المثل، ومنها التالي: لو بحثت في «كنوز» الكيان الصهيوني ستجد أهمها في ثروات المخطوطات التأريخية والكتب. وعلى رأسها الكتاب المسمى «تاج التوراة» وقصته غريبة للغاية. التوراة طبعاً هي الكتاب المقدس لدى اليهود، وتتكون من خمسة أسفار أو فصول رئيسة ضمن الجزء الأكبر من الكتاب المقدس ويسمى «التناخ» ويقع في 24 فصلاً في حوالى 500 صفحة. ووجد علماء اليهود ضرورة لوضع قواعد لقراءة نصهم المقدس. وتم تأليف نسخة خاصة من «التناخ» في طبرية في سوريا منذ حوالى 2000 سنة، وبعدها بحوالى 1000 سنة تمت مراجعته من أهم المفكرين في تاريخ اليهودية وهو «موسى ابن الميمون». هذا العالم يُعرف عالمياً باسم «ميا مونديز»، وعند اليهود يعرف باسمه المختصر «رام بام». ولد في الأندلس عام 1138م، وترعرع وتلقى علومه الطبية فيها، ثم استقر في القاهرة للمزيد من التعليم. وسطع نجمه وانضم إلى كوكبة أطباء بلاط الحكام، والقادة الكبار. وترك ابن الميمون العديد من الكتابات. وكان أهمها تعليقاته على النسخة الخاصة من الكتاب المقدس المذكور أعلاه. وأضاف في متنها وهوامشها بعضاً من أهم القواعد لقراءة النص، ومنها التعامل مع تشكيل الكلمات، والسكون، وحتى الفراغات بين السطور. وبعد وفاته عام 1204م هاجر أحد أحفاده الى حلب في بلاد الشام... والتي كانت وستبقى بمشيئة الله من أهم مراكز التجارة، وحمل معه «تاج التوراة» إلى هناك. وتم الحفاظ عليها حوالى 750 سنة لدى المجتمع اليهودي فيها. وفي عام 1952 بسبب التخوف من التهديدات لليهود من بعض الدول العربية في ظل إنشاء الكيان الصهيوني، تم التفكير في إعادة نسخة التوراة من حلب إلى القدس المحتلة. وهنا يجب أن نتوقف للخوض في بعض التفاصيل: كانت نسخة التوراة المذكورة محفوظة في خزائن كنس اليهود. وتم تهريب تلك النسخة النفيسة من كتابهم المقدس من حلب إلى القدس المحتلة ليصبح من ممتلكات متحف «إسحق بن زِفي» وكان ثاني رئيس للكيان الصهيوني. طيب وأين المشكلة هنا؟ عند وصول المخطوطة التاريخية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة كانت هناك حوالى 200 صفحة ضائعة... يعني 40% من الكتاب طارت! الخمسة الأسفار التي تشكل التوراة بأكملها اختفت. طبعاً تم اتهام العرب والمسلمين أولاً. بدأت التحريات الرسمية ضمن محاكمة من يهود حلب ضد الحكومة الإسرائيلية في إحدى محاكم تل أبيب ودامت أربع سنوات. وتم اكتشاف التقصير والتلاعب من بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية داخل وخارج الأراضي المحتلة من قبل الإسرائيليين أنفسهم. يعني حافظت المدن العربية على المكتسبات اليهودية لمئات السنين أفضل مما حافظ عليه أصحاب الشأن.

وأود أن أضيف المثال التالي: إحدى أهم المخطوطات في تاريخ اليهودية بالإضافة إلى «تاج التوراة» المذكورة أعلاه هي «هقادة سرايفو» وهي أحد أهم الكتب التي تحكي قصة خروج اليهود من مصر، وتم طباعة نسخة وحيدة في الأندلس قبل سقوطها. وتتميز بألوانها الزاهية وكمية الرسومات على صفحاتها. ويحرص اليهود عادة على عدم استخدام الرسومات في أي نسخ من كتبهم الدينية ماعدا هذه المخطوطة الفريدة. تم الحفاظ عليها عبر التاريخ من قبل المسلمين في «سرايفو» وعلى رأسهم المسؤول عن المكتبة الوطنية السيد «درويش كوركت». فضلاً الملاحظة أن المخطوطة تعرضت للعديد من المخاطر وعلى رأسها قسوة النازية عندما احتلوا يوغوسلافيا في أبريل 1941. وتعرضت للعديد من المخاطر تحت عنف الصرب عندما اعتدوا على سرايفو في حرب البلقان في الفترة 1991 الى 2001.

أمنيــــــة:

إحدى الوظائف الجوهرية للمدن هي المحافظة على المكتسبات الحضارية عبر التاريخ. وقد قامت المدن العربية والإسلامية بالحفاظ على الكنوز الحضارية للعالم بأكمله شاملة الوثائق اليهودية. كما حافظ المسلمون في دول أخرى على أهم المخطوطات اليهودية. أتمنى أن يدرك العالم أن في مقابل ذلك المعروف، حصل المسلمون والعرب على ملايين الكفوف من الكيان الصهيوني. اللهم أشهد عليهم.

وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي