خلال الأيام الماضية أبهر اللبنانيون العالم بمظاهراتهم التي أعادت تأكيد المؤكد «رابطة الانتماء للوطن والمجتمع ما زالت وسوف تظل أقوى من رابطة الانتماء للطائفة أو الحزب»، خصوصاً عندما يتغول الفاسدون واللصوص والعملاء باستخدام الشعارات الحزبية التي لا تسمن الشعب ولا تغنيه من جوع.

من الصعب التنبؤ حالياً بما ستسفر عنه هذه المظاهرات في نهاية المطاف، لكن الأكيد أنها أعادت العميل الإيراني حسن نصر الله وحزبه الطائفي إلى حجمهما الطبيعي، بعد أن تصوّر الجميع أنهما ابتلعا الدولة اللبنانية بمقدراتها وشعبها ابتلاعاً نهائياً.

بهذه المظاهرات استيقظ طائر الفينيق من الرماد ليقول للعالم: لا سيد اليوم في لبنان إلا صوت الشعب، ولا قيمة لتهديدات سيد السرداب من خلف الكاميرات، فقد لفظه حتى أولئك المحسوبون عليه باستثناء مجموعة من «الشبيحة المرتزقة» الذين أدمنوا الركوع للتومان الإيراني وتعفنوا في مستنقع العمالة وبات من المستحيل علاجهم أو إنقاذهم، أما الشرفاء من أبناء الضاحية الجنوبية فقد خرجوا جهاراً من تحت عباءة الحزب الأسود ليصطفوا مع مواطني بلادهم في الساحات متجاهلين صرخات السيد المثيرة للسخرية.

ما حدث هو أن الإنسان اللبناني ذا الجذور الضاربة في أعماق الحضارة والتاريخ أعاد اكتشاف نفسه وشعر بقيمته الحقيقية ونفض عنه الولاءات الوهمية التي أهانت تاريخه وأنهكت وطنه، فقرر القفز من مراكب العصابات المتاجرة به مؤمناً بأن أرباب الأحزاب تحولوا منذ سنوات إلى شرذمة من اللصوص والعملاء لمشاريع رجعية عابرة للحدود تتغذى على مقدرات البلاد وتنهب لقمة أطفال لبنان من أفواههم.

ولعل من أجمل ما حدث في هذه المظاهرات حتى الآن وقوف الجيش اللبناني وقفة مشرفة لحماية المتظاهرين المدنيين من كلاب السيد ورفاقهم زعران حركة أمل الذين امتطوا «دراجات الباسيج» وحاولوا إفساد المظاهرات بالهجوم على المتظاهرين مرددين الشعارات الطائفية البائسة مع عبارات غاية في القذارة وانحطاط الأخلاق، وهو مشهد يذكرنا بدخول «البلطجية» على ظهور الجمال إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة لمحاولة فض مظاهرات ثورة يناير٢٠١١.

يقول البعض من قصار النظر إن سبب المظاهرات هو توجه الحكومة اللبنانية لفرض ضريبة على استخدام تطبيق واتساب، وهذا أمر مضحك ولا يستقيم مع ما نشاهده على الأرض، فالشعب اللبناني محتقن منذ سنوات وكان ينتظر لحظة الانفجار لأي سبب وربما تكون هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر بعير الحكومة والسياسيين وأرباب الأحزاب، فالشعوب تغلي بصمت ثم تنفجر فجأة وحين تنفجر لا تنفع معها الخطابات أو التهديدات أو حتى الوعود بالإصلاحات لأن الوقت قد فات وشبع فوتاً.

الأكيد أن أكبر متضرر من صحوة الشعب اللبناني اليوم هو المشروع الإيراني الظلامي الأسود، الذي دخل في طور الانهيار الكلي على مستوى المنطقة، وهذه هي النهاية الطبيعية للظلام حين تشرق شمس الشعوب.

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com