بهية هذه الأرض (لبنان)، بهية عندما تلتف بشال الغيم والفرح الوردي، بهية ووجه الزرقة في خاصرة الماء، يا لنسمات الموج، يا للزبد الذي يحمل حكايات البحارة والمسافرين، ويبذر في جنبات القلب حبات الخرز الفضي، ويزرع لآلئه في بساتين العتمة المشدودة من عنقها إلى غابات الليل، كنت كلما أحل ضيفا على (لبنان) كفراش يأوي إلى ضوئه المنكسر من منشور القلب، حتى تتفتح كوة روحي وترخي للشمس ضفائرها الممتدة خلف سطوح الغمام، في (لبنان) لا شيء يشبه شيئا، لا ورداً كالورد، لا أغنيات.. كالأغنيات.. لا شوارع، لا أرصفة، لا هواء، لا أحجار ولا أمطار، الأشياء لا تتكرر في (لبنان)، كل له طعمه الاستثنائي، ثمة محار آخر، وأصداف أخرى، ثمة (فيروز)، ممتد بين خيوط الرمال البيضاء وأحداق النورس، ثمة ورد محمول على أكف الزمن المسترخي في مهد الوادي، ثمة بهجة آسرة، وأحلام تعيد الطفولة إلى عشبها، والعشب إلى أصله، والأصل إلى صفائه، والصفاء إلى أغنيات آخذة في السمو. في (لبنان) حتى التعبير عن الوجع جميل، فالوجع في (لبنان) منمنم ومقنن ومبتكر، يسري في مفاصل الجسد مثلما تسري لذة محرمة. للتعبير عن الوجع في (لبنان) طعم يخلع القلب من أورطته، ونكهته توقظ الكلمات من نعاسها لترشق الأزمنة والمآذن والكنائس والسفوح بماء الزهر والنعناع والحبق، شاهدت شعوبا تعبر عن وجعها، غير أن (اللبنانيين) يبدو أنهم سيعلمون شعوب الأرض كيف تتهجى التعبير عن الوجع، فالتعبير عن الوجع في (لبنان) هو الأصل وما سبقه هو الاستثناء، هنا فقط التعبير عن الوجع حميما كزهور (حمانا)، ورقراقا كماء نهر العاصي.

هذه هي (لبنان)، والتي عبرت عن وجعها وغضبها من زرقة البحر وحتى زرقة السماء، الجميع خرج بعطر البيادر ولكن دون مساحيق، من غير زينة وشعر مصفف، ألقوا بأدوات المكياج في عرض الوادي، وأدوات زيف الساسة في البحر، الكل يطوقون أعناقهم بالياسمين، يندفعون صوب خيوط الضوء، يعزفون بإيقاعات مختلفة، متشبثين بصلوات الكائنات السرية، والشعارات فوق رؤوسهم، شعارات مختلفة يعرف معناها كل من صادر الساسة أحلامهم وحرموهم من الحياة الكريمة، كان الشعار الأقوى (نريد ريتزا في لبنان)، نعم أصبح الريتز وصفة لعلاج الفساد، رعشة كهربائية سرت في بدني، كرات جميلة كانت تتقافز في بهو روحي وأنا أقرأ تلك العبارة وهي ترتفع فوق الرؤوس، أصبحنا رمزا لمعالجة الفساد، بعد أن كان أحد أمراضنا، نعم أصبحنا رمزا جميلا في قاموس محاربة الفساد في العالم، وسوف نستمر، فالذي بدأ هذا السباق وبقوة ألف حصان لن يتوقف وحتى النيل من آخر فاسد في هذا البلد، وسيكتب التاريخ عنه أعظم القصص وأعذبها، كبطل زخرف التاريخ ولونه بأزهى الألوان، شاب عانق المجد، وفتح ماء القلب على حدائق أيام شعبه، من جعلنا نتوقف عن استيراد قصص الأبطال، لنصدرها مرددين: نحبك الآن أكثر!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com