الكثير الكثير يمكن توقعه في لبنان بحكم تركيبته السياسية وتقاطعاتها وموزاييكه الديني والإثني والطائفي وموقعه الجغرافي وتعقيدات إدارة البلد منذ استقلاله، وأيضاً هناك الكثير الكثير مما يمكن أن يفاجئنا به لبنان من وقت لآخر كارتداد لمتغيرات الأحداث في محيطه، لكن ربما المفاجأة الكبرى التي يصعب توقع حدوثها أن يخرج شعبه بكل شرائحه وانتماءاته وخلافاته وتمايزاته موحداً من أجل قضية واحدة وهدف واحد، كما يفعل الآن.

ترف الاختلاف لم يعد متاحاً لدى الشعب اللبناني عندما وصلت الأمور إلى الحضيض في كل شيء. رغيف الخبز والعمل والتعليم والصحة والماء والكهرباء والمسكن لا يحتاجها مواطن دون آخر، ولا يستطيع شخص من طائفة معينة أن يقف ضد شخص من طائفة أخرى أو يختلف معه وهما يعانيان ذات المشاكل التي تتراكم كل يوم حد الإعياء، بينما النخبة السياسية التي أوصلت البلد إلى الهاوية تتسلى بالمماحكات السياسية في قصورها وتتبادل الأنخاب على أوجاع الشعب.

يقال إن المصائب يجمعن المصابينا، وهذا الذي حدث بالضبط في لبنان عندما خرجت الملايين في كل ساحاته ومن جميع أطيافه وانتماءاته وطوائفه كي تقول كفى إذلالاً وتجويعاً ونهباً وفساداً ومتاجرةً بقوت الكادحين.

الجوع والقهر والترهيب عوامل تجمع حولها البشر المسحوقين مهما كانت اختلافاتهم وقت الرخاء، ويمكن الجزم بأن ذلك ما لم يتوقعه السياسيون الذين يديرون لبنان، الذين أمعنوا في الاستخفاف بمواطنيه وظنوا أنهم قادرون على الاستمرار في تحريك خيوط اللعبة من قصورهم الفارهة.

ابتلي لبنان بمشاكل كثيرة عبر تأريخه الحديث لكن الابتلاء الأكبر والأخطر عندما نشأ في الضاحية الجنوبية ورم سرطاني اسمه حزب الله، أثقل كاهل اللبنانيين بمصائب جديدة لا قبل لهم بها، وأدخل لبنان في أنفاق مظلمة لا نهايات لها، لكنه اليوم مع غيره من المنظومة السياسية يواجهون شعباً قد يغير المعادلات وفق إرادته وليس وفق إرادة من اعتادوا على تسييره كما يشاؤون.

* كاتب سعودي

habutalib@hotmail.com