اليوم أتذكر أن المجتمعات كانت تؤرخ لما يمر بها من أحداث عظيمة كأفراح أو أتراح، من خلال حدث يكون علامة فارقة، كان يقال حدث هذا قبل السيل أو بعد السيل أو ولد فلان في أيام الجدري أو مع زمن الجوع أو انتشار الجراد.. كان التاريخ عبارة عن أيام حاسمة تتحول إلى علامة فارقة في أذهان الناس، حسناً، سوف أتبع طريق ذلك التاريخ في مقالة اليوم.

من الأيام الحاسمة في أذهاننا حريق المدرسة المتوسطة رقم 31 للبنات في مدينة مكة المكرمة، الذي أدى إلى وفاة 15 فتاة وعشرات الإصابات بين الطالبات والمعلمات، وكان السبب الرئيس في ارتفاع نسبة الوفيات عدم السماح بدخول رجال الدفاع المدني لكون المكان مخصصا للسيدات، وقد ألقيت التهمة على رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (عندما قاموا بطرد أولياء الأمور أثناء اشتعال الحريق في المدرسة، وإغلاقهم الباب على البنات أثناء ذاك لأنهن «لا يرتدين الحجاب». واتهم أفراد الهيئة بمنع رجال الإطفاء والإسعاف من الدخول إلى المدرسة لأنه «لا يجوز للفتيات أن ينكشفن أمام غرباء»، كونهم ليسوا من «المحارم»، كانت النتيجة خروج البنات جثثا متفحمة)، كان هذا في شهر مارس عام 2002.. حادث عظيم تلحف به المجتمع وبقي في أذهانهم كنقطة سوداء تشير إلى زمن لن يبرح من ذاكرة المجتمع.

وكان من نتائج ذلك الحريق تحرك الدولة إلى إصدار أوامر وأنظمة مهمتها تفكيك التشدد العنيف ومن أهم القرارات آنذاك دمج الرئاسة العامة لتعليم البنات مع وزارة المعارف.

نحن نعيش الآن في عام 2019 ويبعدنا عن تاريخ حريق متوسطة 31 بمكة 17 عاما، وبالأمس فقط وجهت وزارة التعليم قائدي وقائدات المدارس عند وقوع حالة طبية طارئة في المدارس بضرورة التواصل مع أقرب مركز صحي أو هيئة هلال أحمر للتدخل، وبضرورة السماح للفرق بالتدخل وعدم تعطيلها لنقل الحالات الطارئة.

عبرنا 17 عاما من تلك الواقعة والحالة الاجتماعية في وضعية المراوحة بين السكون الثابت والحركة البطيئة، وخلال السنتين الأخيرتين فُتحت الأبواب وانطلق المجتمع لكي يعيش حياة طبيعية بعيدة عن التشدد والإرغام بأن نعيش بنمط وحيد.

انطلقت الحياة متحزمة بالقوانين التي تكفل لكل فرد أن يعيش وفق حريته التي لا تتعدى على حرية الآخر.. نعم القوانين هي حزام المجتمعات لكي تعيش في ظل الحرية الشخصية.

الزمن يسير دائما إلى الأمام في فهمنا الأفقي له.

* كاتب سعودي

Abdookhal2@yahoo.com