الإنسان منذ لحظة وجوده على كوكب الأرض وهو يصارع أوهامه ويتصارع مع القوى الخارجية لأجلها، نعم فالوهم ليس بالضرورة أن يكون سيئا سلبيا، فقد يتوهم الضعيف قوته حتى ينتصر، بالتأكيد أن البشر بمختلف ثقافاتهم حاربوا كثيرا ليصلوا للحقيقة ولكن الذي نظن بأنه حقيقة اليوم ليس بالضرورة أن يكون كذلك غدا، وهكذا غرقنا كثيرا في الأوهام المجتمعية والتي تجاوزت روح الدين وسماحته وقوته لتصبح حياتنا فقاعة من الأوهام «وش يقولون الناس عنا»، «عيب عليك يا بنت»، «انت منت رجال ومنت كفو»، وهكذا كم من نفوس تم قمعها وسحقها تحت ترسانة الوهم! وكم من اقتصاديات انهارت وتحطمت بسببه!

اتفق مع نيتشه كثيرا في ارتيابه الدائم من العقل، فالاطمئنان العاطفي المفرط بالعرف والسائد مخيف ومرعب، والفلسفة تناولت أبعاد الوهم والتصورات العقلانية واللا عقلانية لفهم الواقع، وما يهمنا هنا أننا لنفهم واقعنا علينا أن نوظف أدواتنا وننطلق من سياقنا المحلي، الوجود المجتمعي للإنسان السعودي ما زال معقدا وغير مقروء بشكل علمي كافٍ، جامعاتنا فشلت للأسف في تحقيق الاقتصاد المعرفي وأخفقت في بناء إطار وطني إنساني للمواطن السعودي ومحضن آمن من الفكر المتطرف، جميع ما نراه اجتهادات فردية لا تليق بدولة ذات ثقل عالمي كوطننا العظيم، علينا أن نكون صريحين إذا أردنا إصلاحا مجتمعيا حقيقيا.

لنعد لبرنامج تركي آل الشيخ الشاب العبقري الذي أثبت بالأرقام العائد المادي لبرامج الترفيه والتي تجاوزت مبيعاته ٢٣٥ مليون في ثلاثة أيام فقط ! وحصد أكثر من ٤٠٠ مليون ريال من الشركات والرعايات المساهمة، بحسب ما نشر في صحيفتنا عكاظ، بحسبة بسيطة دخل الترفيه خلال السنة القادمة سيتجاوز المليار! وبعد عشرة أعوام سيتضاعف هذا الرقم، سيأتي السياح، ستنتعش المدن، سيعرفنا العالم، لست متأكدة إن كان سيحبنا أم لا، فهذه نقطة تحتاج معالجة واقعية أكثر ولم يحن وقتها بعد، فالعالم ما زال يراقب، بتوجس، السائحات ما زلن يشككن بجدية القوانين التي ستحمي حريتهن بسبب ما يرونه من حالات تعنيف لا تفهم، لماذا ما زالت القوانين عاجزة عن صفع هذه الثقافة المجتمعية التي تتجنى على أفرادها؟

لهذا وحتى نحافظ على مكتسبات ومجهود هيئة الترفيه، وهي مكتسبات ثقافية أكثر من كونها مادية، وهذا أمر يوثق لتركي آل الشيخ وفريقه الإبداعي، فإننا بحاجة لإنشاء مرصد وطني «أنثروبولوجي للأوهام والواقع»، ما نراه في موسم الرياض تغييرا ثقافيا وحراكا مجتمعيا، من كان يصدق بأننا سنرى حفلا بجودة وقوة تنظيم حفل الفرقة الكورية الرائعة ومشاعر الحب والفرح بين الأهالي الحضور وأبنائهم، يا لها من حالة فنية جمالية أسطورية سطرتها هيئة الترفيه متجاوزة حاجز الوهم وقافزة على سور الخرافات لتبني صورة لهؤلاء البشر المسالمين !

المرصد الوطني للأوهام، رؤيته أن يكون مرصدا وطنيا للتحولات المجتمعية بعقول محلية ورؤية عالمية، رسالته رصد هذه التحولات العملاقة والتقريب بين الأجيال وإيجاد قاعدة أنثربولوجية لدراسة الإنسان السعودي ومستقبله التنافسي، هدفه العام تحقيق التوازن والدعم لفئات المجتمع المختلفة وتدريبها للتقبل والتغيير والانفتاح، وينطلق المركز لمعالجة ثلاثة أوهام مجتمعية أرهقتنا كثيرا؛ وهي وهم الخيرية «التملص من الوعي القانوني والتدثر بعادات المجتمع والتجاهل لمشكلاته تحت غطاء» حنا بخير وحنا أحسن من غيرنا، «وتوهم أننا ملزمون بالعطاء للآخر، وهم «الآخر» والمبالغة في تأثير الجماعات على القرارات السلمية الفردية، وأبسط مثال ألوان الثياب وتفضيلات الأكل وصولا للزواج ووهم القبيلة!، الوهم الثالث وهم «النضج» إننا وصلنا للمحطة هذا أخطر وهم، فنحن ما زلنا في الطريق والتقليل من أشباح الوهم وصانعيه مخاطرة مجتمعية كبرى، علينا أن نرفع الوعي كي لا يتم استلابنا من جديد وبشكل مختلف.

وكما يطربنا محمد عبده «وهم كل المواعيد وهم»، أقول نعم كل المواعيد وهم فلا تجعل الزمن هو معيارك تجاوز الزمن و«سابق الساعة» ولا تكترث بالوصول واستمتع بالرحلة!.

* كاتبة سعودية

areejaljahani@gmail.com