على امتداد أيام مضت والمعادلة في منطقة شرق الفرات أو الجزيرة السورية تتغير بشكل سريع ودراماتيكي بما لم يكن متصورا حتى ما قبل أيام قليلة، تركيا التي أطلقت عملية عسكرية واجتياحا لشمال سوريا أطلقت عليها (نبع السلام) وبدا أن لا شيء قادر أن يوقف القوات التركية ومليشيات المعارضة السورية التابعة لها، جاء ذلك بضوء أخضر أو أصفر من الولايات المتحدة الأمريكية، وبغطاء روسي وإيراني، هذه العملية العسكرية لقيت معارضة وتنديدا واسعين سواء على صعيد العالم العربي أو المجتمع الدولي برمته، ولم تؤيد تلك العملية بشكل واضح وعلني سوى قطر التي أظهرت تبعية مطلقة للجانب التركي، بالرغم من هذا الرفض العربي والأوروبي إلا أن قوات سوريا الديموقراطية أدركت سريعا أن هذا التأييد السياسي والإعلامي والمعنوي من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يتحول إلى دعم حقيقي، خصوصا أن موجة العملية العسكرية عالية بشكل كبير بما يفوق إمكانياتها العسكرية والسياسية، وكذلك فقدان الدعم والغطاء الأمريكي الذي لطالما احتمت به تلك القوات والتي كانت محقة عندما وصفت الاتفاق الأمريكي ـ التركي بأنه طعنة في الظهر. الخيارات أمام قسد تقلصت بشكل كبير وأصبح أحلاها مرا وكان على تلك القوات أن تختار ما بين الأسوأ والأقل سوءا، وهذا تماما ما فعلته، ففي اللحظة التي كانت قسد تغرق بالحمم التركية مد الجانب الروسي اليد إليها. خيار المواجهة الشاملة لم يكن سوى انتحار لهذه القوات وللحاضنة الاجتماعية التي تدعمها (بالمناسبة عندما كانت الخيارات سيئة أمام فصائل من المعارضة السورية قررت التضحية بحاضنتهم الاجتماعية، لذلك لم تتخذ الخيارات الصعبة إلا عندما تم تدمير المدن والحواضر السورية وهذه الخيارات الانتحارية دفعت السوريين ثمنها باهظا وما زالوا). كان على قسد أن تختار سريعا وأن تدخل في توافق مع الجانب الروسي والذي أدى إلى سيطرة النظام على مناطق واسعة من تلك التي تسيطر عليها قسد. أفضل من عبر عن الاتفاق بين قسد والنظام بالرعاية الروسية هو قائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي عندما قال «نعرف أنه سيكون علينا تقديم تنازلات مؤلمة مع موسكو وبشار الأسد إذا اخترنا طريق العمل معهم. لكن علينا الاختيار بين التنازلات أو إبادة شعبنا، وبالتأكيد سنختار الحياة لشعبنا». السؤال الآن كيف سوف يؤثر هذا القرار على قوات سوريا الديموقراطية كما على الأطراف الأخرى، من ناحية قسد فإن الاتفاق سوف يؤدي إلى انهيار المنظومة العسكرية والأمنية التي تمتع بها الأكراد خلال السنوات الخمس الماضية، صحيح أن هناك معلومات تشير إلى انضمام هذه القوات إلى جيش النظام ولكن هذا لن يغير من مصيرها، لأن النظام كما تشير المعلومات سوف يزج بها في معارك إدلب القادمة، أيضا سوف يؤدي الاتفاق إلى انهيار المؤسسات الإدارية التي أنشأها الأكراد في مناطقهم أو الإدارة الذاتية كما يسميها الأكراد، الحكم الذاتي انتهى بمقابل قانون جديد للبلديات كان الروس قد اقترحوه سابقا، وفي الحقيقة هذا القانون لن يختلف عن الوضع الذي كان سائدا قبل العام 2011، الأهم من كل ذلك أن إقامة كيان كردي سواء بحكم ذاتي أو تحت يافطات الفيديرالية أو الكونفدرالية أصبح مستحيلا، يبقى هناك الحلم ببناء دولة كردية وهذا ما لن يستطيع أحد أن يأخذه من الأكراد في سوريا أو العراق أو تركيا أو إيران مهما بلغت قوته وجبروته. أما من الناحية التركية فإنها وإن استطاعت أن تفكك الكيان الكردي إلا أنها فشلت في أهداف عمليتها العسكرية (نبع السلام)، فهي أصبحت في مواجهة مع النظام، مما يعني مواجهة مع الروس وهذا ما لا ترغب به. كما أن مسألة إعادة اللاجئين والتغيير الديموغرافي أصبحت صعبة للغاية، حتى مسألة خلق نفوذ في المناطق التي سيطرت عليها أصبحت في مهب الريح. وبالتالي الوجود التركي في شمال سوريا أصبح رهنا بالتوافق مع روسيا وما كان يطمح إليه أردوغان بأن يتفاوض مع موسكو الند للند أصبح مستحيلا في ظل توازن القوى والدور الروسي الذي أصبح يدير خيوط اللعبة السورية.

أما المنتصر الوحيد فهو سيد الكرملين بلا منازع، قد تختلف مع بوتين في التدخل العسكري في سوريا وقد تستشيط غضبا من الإستراتيجية العسكرية التي اتبعها على الأرض السورية، وقد ترفض السياسة الروسية المؤيدة لنظام بشار الأسد، ولكن لا بد أن تعترف بأن الرئيس الروسي كان الأكثر مهارة من الناحية السياسية واستطاع أن يلاعب مختلف الأطراف المتداخلة في الشأن السوري ويتفوق عليها. لقد أحكم بوتين سيطرته على خيوط اللعبة السورية والأطراف الأخرى تستفيد أو تخسر بمدى قربها من موسكو، لذلك فإن النظام السوري يحقق تقدما مهما عندما يعيد سيطرته على أهم المناطق من حيث مصادر الطاقة وسلة سوريا الغذائية. بتلك المهارة والأناة والصرامة يرسم بوتين المشهد شبه الختامي، على الأقل مرحليا، للأزمة السورية.

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@