بعد مقالين سابقين عن السياحة الثقافية، والحديث عن هذا النوع من السياحة وأقصد بها السياحة الثقافية، ووضوح الهدف الرئيس من إصدار التأشيرة السياحية وهو الانفتاح على العالم الخارجي والاعتناء بالسياحة كمصدر مهم من مصادر الدخل، وحتى يتحقق الهدف بشكل جيد وبجودة عالية لا بد من وضع خطة إستراتيجية وطنية تشترك فيها جهات حكومية متعددة تعنى بالسياحة، بالإضافة إلى تهيئة بيئة استثمارية قوية في أنظمتها وواضحة في لوائحها، كما تسهيل إجراءات الاستثمار.

نأتي الآن إلى قضية ومرتكز رئيس لهذه الخطة الإستراتيجية تدعم وجود وتطور مجال السياحة الثقافية في بلادنا القارة الشاسعة مساحة وتنوعاً ديموجرافياً، هذا المرتكز هو العامود الفقري لهذه الصناعة وهو منفذو الخطة أي مشغلو الخدمة، من إدارة تنفيذية وقطاع تسويق ومرشدين سياحيين، وهؤلاء يجب في البداية بناء الإنسان السعودي الذي ينهض بهذه الصناعة والخطوة الأولى تبدأ من بناء كليات ومعاهد للسياحة تعلمهم وتدربهم وتهيئ لهم البيئة الجيدة لمثل هذا النوع من السياحة.

نعلم بوجود كليات للسياحة والآثار في جامعات بلادنا الآن والاهتمام بهذا النوع من الكليات هي الخطوة الصحيحة في طريق طويل جدا، وعلى كل كلية في هذه الجامعات عند بناء خططها الدراسية لطلابها أن تراعي وما يتناسب مع بيئتها المحلية ووجود مقومات هذا النوع من السياحة لديها أقصد السياحة الثقافية، فتبدأ بحصر آثار منطقتها بالتعاون مع جهات دولية تملك الخبرة ثم تبدأ بتعريف طلابها بهذه الآثار وكيفية تسويقها لدى السياح وحتى إذا احتاج الأمر بناء متاحف مفتوحة والقيام بعروض ترفيهية تخدم الغرض الرئيس للسياحة الثقافية.

فعندما يدرس طالب أو طالبة السياحة والآثار في مدينة الطائف معالمها وآثارها التاريخية ومقوماتها السياحية فالجودة تحتم أن يختلف منهج هذه الكلية عن الطالب الذي يدرس السياحة والآثار في منطقة الأحساء مثلاً لاختلاف البيئتين الثقافيتين عن بعضهما البعض، ولأن ما يحتاجه طالب السياحة والآثار في نجران مثلاً يختلف كلياً في معطيات البيئة المحلية عن الطالب الذي يدرس في منطقة العلا، هذا الاختلاف هو إثراء للتنوع الثقافي الذي تتمتع به السياحة لدينا واستثمار قوي ومستدام في الإنسان والمكان.

تبقى قضيتان مهمتان في هذا المجال هو التطوير للمنتجات السياحية الأثرية وذلك بالترميم والصيانة والتسويق لها، واستدامة هذا الاعتناء والاحتفاء بهذا النوع من السياحة، وتخريج الطلبة المتميزين للعمل بهما، وقضية الاستدامة هي معضلة من معضلات التنمية في المجتمعات، فالمجتمعات لا تبني وجودها الاقتصادي القوي إلا بالاستدامة على العمل وتحقيق أعلى معدلات الجودة للمنتجات، والسياحة تعتبر من أهم مصادر الدخل على مستوى العالم إذا اعتمدت خطتها الإستراتيجية على التنوع والاستدامة.

* كاتبة سعودية

monaalmaliki@