بالرغم أنها ليست الزيارة الأولى للرئيس الروسي بوتين للمملكة، إلا أن توقيتها يكتسب أهمية قصوى سواء من اتخاذ خطوات عملية لتفعيل التعاون الذي بدأ بين البلدين منذ فترة سواءً في المجال النفطي أو الاستثماري ناهيك عن تعاون عسكري محتمل بين الدولتين.

وفي ظل التطورات العالمية اقتصادياً، والحديث عن ركود قادم ومحتمل، والاضطرابات التي تعيشها منطقتنا، والتراخي الغربي في التعامل معها، يدفع المملكة وغيرها من دول المنطقة إلى البحث عن جدية تعامل شركاء آخرين في ظل تنويع جغرافي مطلوب يقلل من الاعتماد على دولة دون أخرى، ويزيد من فرص الحصول على أفضل العروض الاقتصادية وغيرها من فرص التعاون الدولي بين السعودية وبقية دول العالم.

وبالرغم من إشراك روسيا في التعاون القائم بين منتجي النفط منذ 2017، وما حققه اتفاق ما يعرف بـ«أوبك بلس» وهو تحالف بدأ يؤتي ثماره، إلا أن ظروف سوق النفط العالمية في الفترة القادمة تتطلب تماسكا أكبر لهذا التحالف الهش نسبياً، مقروناً بالتزام أكبر بالتعهدات المبرمة تحت مظلته، وربما يحتاج الأمر إلى تعميق خفض الإنتاج النفطي دعماً لتحقيق استقرار الأسعار، بعد أن تدهورت إلى مستويات أقل من 60 دولارا للبرميل.

وإذا أردنا تلخيص عوامل أهمية مزيد من التعاون بين دول تحالف المنتجين، نجد أنها تتلخص في التالي:

أولاً: أن سوق النفط العالمية تزحف لتتسم بزيادة تدريجية في فائض المعروض نتيجة لعاملين أساسيين:

أ- توقعات معدلات نمو الطلب العالمي على النفط إلى حدود المليون برميل يومياً العام الحالي 2019م، والقادم 2020م، بعد أن كانت تتجاز المليون ونصف مليون برميل يوميا العام الماضي، نتيجة للعديد من العوامل بعضها هيكلي والآخر مرتبط بالآثار السلبية للركود الاقتصادي العالمي الذي قد يبدأ في ترسيخ أنيابه العام القادم لو استمرت الحرب التجارية العالمية، وخاصة تلك التي بدأت بين أكبر اقتصادين في العالم وهما أمريكا والصين.

والأمل في تفادي الحرب بين الدولتين تحسن بشكل كبير بعد الإعلان عن اتفاق جزئي بينهما الجمعة الماضية، لكن لا أحد يستطيع أن يعيش على الأمل فقط، والاحتمال بإبرام اتفاق نهائي وحاسم لا يزيد عن 50%.

ب- هنالك أحجام متزايدة قادمة إلى سوق النفط من المعروض العالمي سواءً من الولايات المتحدة أو البرازيل وغيرهما، ناهيك عن التوسع القائم في الطاقة الإنتاجية لدول تحالف الأوبك. وهو ما ينذر بضغوط كبيرة على أسعار النفط نحو الانخفاض في ظل أساسيات السوق الضعيفة نسبياً.

ثانياً: إن التجربة الماضية لأداء تحالف الأوبك بالالتزام بما اتفق عليه، لم يرقَ إلى المستوى المرضي، بل كانت هنالك تجاوزات من بعض الأعضاء، وما كان الإعلان عن تجاوز نسبة الالتزام لمائة بالمائة، إلا تجاوزاً بإدراج التخفيض الإجباري الذي كان ولا يزال عليه إنتاج كل من إيران وفنزويلا نتيجة للعقوبات الأمريكية. ولولاهما لانكشف عدم الالتزام. وأحسن سمو وزير الطاقة السعودي حينما دفع وزراء كل من روسيا ونيجيريا والعراق وهم أكبر المخالفين لاتفاق التحالف، إلى أن يعترفوا من على منصة اجتماع لجنة الالتزام المنعقدة في أبوظبي الشهر الماضي، بعدم التزامهم من جهة، وتعهدهم بكامل الالتزام وجديته من جهة أخرى. وكانت خطوة أظهرت مزايا القيادة السعودية في ضبط الأداء.

ثالثاً: من بين الاتفاقيات التي قد يتم توقيعها اليوم الإثنين بين روسيا والسعودية، هو ميثاق التعاون طويل الأمد بين تحالف منتجي النفط بقيادة السعودية وروسيا، الذي سيتم الاتفاق عليه بشكل نهائي في الاجتماع الوزاري في ديسمبر القادم لأوبك وبقية التحالف. الميثاق -بناءً على المسودة الأولية- هو تعهد مبدئي للأعضاء في التحالف باحترام جميع الالتزامات الفردية والاتفاق على اتخاذ الخطوات الضرورية لتحقيق استقرار سوق النفط العالمية.

ويأتي هذا الميثاق في وقته المناسب لمرحلة تطورات جذرية لسوق النفط تتطلب مثل هذه الجدية والمصداقية في الالتزام. كما أن على روسيا أن تظهر رغبتها في تحمل تخفيض أكبر مما هي عليه الآن، حيث لا يتناسب التخفيض الحالي (220 ألف برميل يومياً)، وإنتاجها الذي يتجاوز الـ11 مليون برميل يومياً، فلابد من عدالة التوزيع بما يحمل كل عضو في التحالف نصيبه العادل، وهذه من أبسط أولويات التفاوض الدولي التي سيصر عليها سمو وزير الطاقة إن لم يكن قد فعل.

أما مجالات التعاون الثنائي بين السعودية وروسيا اقتصادياً أو في أية مجالات أخرى، فمتعددة، والحاجة متبادلة بين الطرفين، وما وجود رئيس الصندوق السيادي الروسي ضمن الوفد الزائر إلا دليل على الرغبة الحقيقية لروسيا في الاستثمار في المملكة في ظل تحقيق رؤية 2030، كما أن صندوقنا السيادي (صندوق الاستثمارات العامة) هو أكثر من جاهز لاغتنام الفرص المتاحة في روسيا.

لذا لا نستغرب إبرام حوالى ثلاثين اتفاقية تعاون بين الدولتين يتم توقيعها اليوم الإثنين، ما بين اقتصادية وتجارية وعسكرية أيضاً، مما يعزز التعاون مع روسيا ويساهم في تقارب سياسي أفضل ورؤية مشتركة منطلقة من المصلحة المتبادلة بين الدولتين.

ونسعد جميعاً لتبني المملكة للتنوع الجغرافي لاستثماراتها ولشركائها التجاريين واستقطاب المستثمرين، وليس الاعتماد على منطقة واحدة أو دولة واحدة، وخاصة بعد تجارب لم تكن بالمستوى المطلوب، خاصة في مجال التعاون العسكري.

هذا التنوع الجغرافي يتماشى مع هدف الرؤية 2030 والذي ينادي بضرورة تحقيق التنوع الاقتصادي، وهو يؤدي إلى وصولنا بهذا الهدف إلى مبتغاه، ويحقق تنافسية أعلى بين شركائنا لنختار الأفضل والأقل ابتزازاً بينهم.

وختاماً، فالسعودية أصبحت أكثر إدراكاً في اختياراتها المتعددة، وأكثر تنوعاً بما يحقق أهداف التنويع الاقتصادي ويقلل تدريجياً من اعتمادنا على إيرادات تصدير النفط الخام. والاتجاه نحو زيادة القيمة المضافة وتوطين مختلف التقنيات العالمية والتوجه نحو اقتصاد معرفي عماده المواطن السعودي متعاوناً مع مختلف دول العالم.

* كاتب سعودي

sabbanms@