لم يكن مفاجئا بالنسبة لي ما تعرّضت له الأستاذة لطيفة الشعلان عضوة مجلس الشورى الأستاذ المشارك في جامعة الأميرة نورة من هجوم تجاوز حدود اللياقة والذوق والأدب إلى التجريح، والتخوين قولاً واحداً من البعض على مواقع التواصل الاجتماعي تعداه إلى كل من تبنى وجهة نظرها وأيدها في طرحها العقلاني فلم يسلم من رذاذ بصاقهم وطرطشة أحقادهم وكل ذلك جرّاء دعوتها إلى تجنيس أبناء السعوديات من أزواج غير سعوديين، فقد أصبح في حكم «الطبيعي» و«المتوقع» أن يتعرّض كل من يطرح طرحا مخالفا للعقل الجمعي المتوارث إلى عواصف تقوم عليها قيامة ماحقة، ترمى بشواظ لهيبها، وترسل سهام تجريحها، وتفتش نوايا مطلقها ومرسلها، وتدمغه بما شاءت من تصانيف من شاكلة الليبرالية، والتغريب، وعملاء الغرب، والخونة، إلى آخر هذه القائمة البائسة من التصانيف، التي درج العقل التنميطي على حشر الناس فيها ليملأ بها خاناته المحفوظة والمملة.

ولعل من المهم الإشارة إلى أن سيطرة العقل التنميطي في مجتمعنا فشت بشكل واضح، ووجدت لها مساحة من التمدّد في فترة الصحوة، التي علت فيها أصوات المكفّرين والمبدعين والمفسقين، وأصبح كل صاحب فكر خارج هذه المنظومة المفخخة عرضة لقائمة من الأوصاف والنعوت التي لا تراعي حرمة، ولا تحترم عقلاً، ولا ترى غيرها على الصراط السوي، والنهج القويم، وأنهم وحدهم العقلاء الذين يستحقون العيش على أرض الوطن.

والحق أن بقية من هذا العقل التنميطي ما زالت حاضرة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تتعلّم من حركة الانفتاح العقلي، والاستشراف الذي تشهده المملكة في هذا العهد الجديد، ولم تدرك أن مساحة الحرية في طرح الآراء والأفكار باتت حقاً مكفولاً، على قاعدة الاحترام المتبادل، فلو تلك العقول فهمت لوجدت في قضية التجنيس التي أعادت طرحها الأستاذة «لطيفة» مساحة للمساجلة، والنظر والمناقشة، ولعلمت أنها قضية - في مجملها وإطارها النظري العام - قابلة للأخذ والرد، وتقليب الآراء، طالما بقيت قضية اجتماعية عامة، من حق الجميع أن يدلوا بدلوهم، ويسهموا بآرائهم حولها على خلاف ما ذهب إليه بعض الكتبة الكرام حيث عابوا على البعض من أعضاء الشورى إثارة مواضيع في وسائط التواصل الاجتماعي، يفترض - وفق رأيهم - أن تناقش تحت قبّة المجلس، ووفق أنظمته.

واتخذوا من قضية «التجنيس» بوصفها واحدة من هذه المواضيع التي يرون وجوب التزام أعضاء وعضوات مجلس الشورى بإبقاء دائرة النقاش حولها تحت القبة، إمكانية استدعاء «أهل الخبرة من خارج المجلس» للاستئناس بآرائهم ووجهات نظرهم.. وعلى خلاف ذلك أرى أن تفاعل أعضاء وعضوات الشورى مع قطاعات المجتمع المختلفة، من خلال طرح القضايا في مواقع التواصل الاجتماعي، أمر في غاية الأهمية، كونه يجسّر الفجوة بينهم والجمهور، ويزيح ستار النخبوية عن مسرح «الشورى» بما يمنح أعضاءه وعضواته القدرة على قراءة الواقع بشكل عملي وآني، وهي غاية تستلزم أن يكون الجميع على قدر المسؤولية في الطرح والتعاطي، وتقدير المواقف والآراء، والتخلّص من لغة التخوين وما يصاحبها من قاموس الشتائم.

ومع تقديري لرؤية هؤلاء الكتاب والمغردين، فإني أقف مناصرا لتوجه الأستاذة لطيفة الشعلان وغيرها من أعضاء الشورى الكرام في طرح هذه القضية على المستوى الجماهيري العام، فلا ضير في استقبال رأي باصر من ذي تجربة أو صاحبة تجربة في ما يخص القضية المطروحة، فلو أن الجميع التزم بالنقاش الموضوعي مع الأستاذة الشعلان في مواقع التواصل الاجتماعي لأمكنها من تشكيل رؤية قابلة للطرح تحت «القبة»، مستندة في حجيتها على جموع الآراء في مواقع التواصل الاجتماعي.. فالعلة عندي ليست في طرح عضو أو عضوة من مجلس الشورى قضية ما على مواقع التواصل الاجتماعي، بل العلة كل العلة في اتخاذ الموضوع المطروح منصة للتخوين، ومحطة للنفث والنفخ والتهديد والتصنيف الأعمى، على نحو ما أشار الأستاذ الدكتور حمزة الطيار في مقاله بجريدة «اليوم» بعنوان «تخوين الآخرين بين الحقيقة والكذب».

وبعيدا عن كل ذلك، وتفاعلا إيجابيا مع ما طرحته الأستاذة لطيفة، أرى أن قضية التجنيس تستحق نظرا عميقا، ودراسة متروية، تأخذ في اعتبارها الجوانب المختلفة؛ سواء الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو النفسية، فتقزيم قضية بهذا الحجم، وحصرها في دائرة مادية بحتة، ترى في زواج بعض الأجانب للسعوديات حالة من «الاستغلال»، وصولاً للكسب التجاري، والفائدة المادية، يعمّق الأزمة، ويصعّب من وجود الحلول المنطقية والسليمة لها، فهل كل السعوديات بهذه السذاجة..؟!

أظن أننا نحتاج إلى دراسة اجتماعية عميقة، تبحث في جذور الأزمة التي تدفع بالسعودية للزواج من الأجنبي، ولماذا يكثر عدد السعوديين الراغبين في الزواج من أجنبيات، وما مصير الأبناء من كلتا الحالتين، وما هي الطرق النفسية السليمة للتعاطي مع القضية دون رواسب وتعقيدات.. كل هذه الأسئلة - وغيرها كثير - تظل عالقة تنتظر الإجابة عبر بحث عميق ومضنٍ، يستصحب معه تجارب الدول الأخرى، وبخاصة الغربية، في تغليبها للبعد الإنساني والاجتماعي على المادي والتجاري، على خلاف ما تكشف عنه مسارب وشُعب النقاش الدائر عندنا الآن، التي تكاد ترى في القضية برمتها قضية اقتصادية من الدرجة الأولى.

* كاتب سعودي