مرت العلاقة بين موسكو والرياض بمحطات مهمة تشكل من خلالها تاريخ سياسي لافت، إلا أنه قام على الاحترام والمبادرة، وحتى في الخلاف بقيت العاصمتان على خط قريب لا يصل إلى القطيعة، بل إن العلاقات بين البلدين بقيت مجمدة حين رأت الرياض أن الماركسية الشيوعية تتنافى مع مبادئها الإسلامية.

في فبراير 1926 جاء أول اعتراف دولي من موسكو بالملك عبدالعزيز - رحمه الله - سلطانا على نجد وملكا على الحجاز، في الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي ملء السمع والبصر وواحدا من الدول العظمى في تلك الحقبة المهمة من التاريخ السياسي. كان العالم أيضا يمر بصدام عنيف وإزاحات سياسية وجغرافية خشنة جدا، فالحرب العالمية الأولى للتو انتهت، والثانية على الأبواب. بالطبع كان اعتراف موسكو هو الأول من دولة عظمى، لتتوالى بعد ذلك الاعترافات، بلا شك أن ذلك الاعتراف أعطى الرياض دفعة كبرى في تأكيد شرعيتها المستحقة.

واجه الملك عبدالعزيز الكثير من التحديات وهو في طريقه لبناء دولته، ولعل أخطرها كانت تلك الإشاعة التي أطلقها أعداء «الحركة الإصلاحية» التي روجت أن «السعوديين» هدموا القبة الخضراء التي تظلل القبر الشريف بالحرم النبوي. وسارعت السعودية لنفي التهمة غير الحقيقية، لكن الدولة الناشئة لم تكن تمتلك الوسائل لدحض تلك الفرية.

الملك عبدالعزيز دعا إلى مؤتمر إسلامي للتثبت من الإشاعة ولتأكيد دور السعوديين في خدمة وحماية الحرمين الشريفين. موسكو دعمت موقف الرياض وشاركت بوفد من مسلمي القوقاز في المؤتمر، لقد كان موقفا سياسيا مهما، لم تكتف موسكو بالاعتراف بشرعية الملك عبدالعزيز بعد دخوله الحجاز واسترداده لدولته الأولى، بل ثمنت أيضا حمايته للحرمين الشريفين.

على الفور دشن السوفييت ممثلية دبلوماسية لهم في مدينة جدة، وحتى قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وترأس البعثة الدبلوماسي السوفيتي «حكيموف»، الذي بقي في الممثلية حتى حصلت اضطرابات داخل موسكو دفعته للعودة إلى بلاده، وهناك أعدم بعد خلاف سياسي مع ستالين. اللافت للنظر أن الملك عبدالعزيز - الشهم - ومن موقف سعودي أصيل أمر حكومته باستضافة زوجة السفير في ضيافة المملكة، وهي التي علقت في مدينة جدة بعد مقتل زوجها لتعيش حتى توفيت في الرياض.

من المهم الإشارة إلى أن حكومة الملك عبدالعزيز عقدت أول صفقة تجارية مع الاتحاد السوفيتي لتوريد الكيروسين الضروري لإنارة الشوارع والبيوت والمزارع.

في العام 1932 وهي سنة إعلان المملكة العربية السعودية في شكلها الحالي بعد تغيير مسمى سلطنة نجد ومملكة الحجاز، زار الأمير فيصل بن عبدالعزيز موسكو، الذي كان يشغل حينها وزارة الخارجية، كأول مسؤول عربي، موفدا من الملك عبدالعزيز. كانت زيارة حافلة وحظيت باهتمام سوفيتي كبير، فإضافة للقاءات الرسمية زار الفيصل المقر المركزي للجيش الأحمر والأكاديمية الجوية، وحضر عروضا للطيران، وزار مصنع ستالين للسيارات، وشاهد والوفد المرافق له فعاليات ثقافية من ضمنها باليه دون كيشوت على خشبة مسرح بولوشي.

بقيت العلاقات السعودية السوفيتية مجمدة من طرف الرياض، إلا أن أول انفراجة جاءت مع زيارة وزير النفط هشام ناظر منتصف الثمانينات الميلادية لموسكو للحديث عن تردي أسعار النفط إلى 7 دولارات، تلتها زيارة للأمير سعود الفيصل قبيل دخول العراق للكويت، لكن دخول العراق للكويت قفز بالعلاقات حين استطاع الأمير بندر بن سلطان إقناع الرئيس غورباتشوف بالانضمام للموقف الدولي المعارض للاحتلال العراقي، وأسفرت تلك المقاربة عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

في نوفمبر 1994 بدأت أولى زيارة رسمية بين البلدين بوصول رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشرنوميردين إلى الرياض ضمن جولة خليجية، لتحدث انفراجة إضافية بزيارة الملك عبدالله - عندما كان ولياً للعهد - العام 2003 إلى موسكو. وفي 2007 قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة إلى المملكة كأول زعيم روسي يقوم بهذه الزيارة، وفي 2015 قام الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي ولي العهد بزيارة لروسيا التقى فيها الرئيس بوتين، هذه الزيارة بالذات رفعت العلاقة لمستويات إستراتيجية. وفي أكتوبر 2017 قام الملك سلمان بزيارة موسكو وهي أول زيارة لملك سعودي، حظيت بحفاوة بالغة تليق بالزعيم الكبير.

ما يجمع الرياض وموسكو أكثر مما يختلفان فيه، البترول والغاز وموقفهما الإستراتيجي من الإرهاب، وتنمر المؤسسات «الحقوقية» الغربية، والفهم الواضح لخطر إيران وتركيا، واليوم تستضيف الرياض بوتين ومنطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطفات غاية في الخطورة والحساسية، بدءا من الاشتباك الدولي مع إيران، وليس آخرا بالغزو التركي لسورية، والقوات الروسية تعسكر في ضواحي دمشق وميناء طرطوس، ولا تبعد سوى رمية «حصاة» كما يقول المثل العربي.

* كاتب سعودي