نتيجة تطور التقنية وتسابق تكنولوجيا المعلومات لخدمة قطاع الأعمال الحكومي والخاص فإن خارطة الشركات والمؤسسات الخدمية سوف تتغير وستتحول الكثير من الخدمات من خدمات نمطية تقليدية غير اقتصادية إلى خدمات إلكترونية رقمية اقتصادية، والحقيقة أن هذه المعلومة قديمة لها أكثر من 20 عاما قدمتها الدول الصناعية المتقدمة بناء على مراكز البحث والتطوير في تكنولوجيا المعلومات والخدمات الإلكترونية، وبدأ العالم المتقدم في تطبيق التقنيات الحديثة منذ سنوات وللأسف الشديد لم يلتفت العالم النامي وبعض شركات الدول الكبرى إلى سرعة التحول الإلكتروني وأثره على اقتصاديات التشغيل حتى أدى إلى توقف وإفلاس بعض من شركات الخدمات، وعلى سبيل المثال إفلاس شركة «توماس كوك» وفشل الإدارة القديمة في مواجهة العصر الإلكتروني والاقتصادي الرقمي، وهي شركة من أقدم وأكبر شركات السياحة في العالم حيث يصل عمرها في الخدمة حوالى 178 عاما قادت فيها الحركة السياحية في العالم وسيطرت على الخريطة السياحية في العالم، ويعمل بها حوالى 22 ألف موظف حول العالم، توسعت أعمالها في مجالات عديدة منها في الائتمان المالي ومنها في امتلاك أسطول طيران وتشغيل فنادق ومنتجعات سياحية.

ورغم جميع التوقعات لأسباب انهيار شركة (توماس كوك) إلا أنه في وجهة نظري أهم سبب هو التحول إلى الاقتصاد الرقمي وثورة الإنترنت في مجال السياحة في العطلات، ويؤكد هذا أن 60% من السياح في بريطانيا تغيرت طريقة حجوزات إجازاتهم، فبعد أن كانت تعتمد على الوكالات السياحية ومنها (توماس كوك) تحولت إلى الحجز عن طريق الإنترنت، وغادر السياح شركات السياحة وتوجهوا إلى الحجز المباشر وهو الأوفر اقتصاديا والأكثر سرعة مع توفر خيارات عديدة متاحة بنفس الجودة أو أفضل من شركات السياحة، ونظراً لإفلاس شركة (توماس كوك) فسوف تتضرر بعض الدول التي كانت تعتمد اعتمادا رئيسيا على برامج توماس كوك السياحية وسيكون الضرر المالي كبيرا جدا هذا العام.

وهذا يدفعني اليوم لتحذير شركات السياحة في المملكة ودول الخليج والدول العربية، ويؤسفني أن أقول إن عهدهم قد انتهى وعليهم سرعة إعادة ترتيب أوضاعهم والتخطيط لتغيير نشاطهم لأن جميع المتعاملين معهم شركات ومؤسسات سوف يتوقفون عن التعامل معهم وسيتعاملون مباشرة من خلال الإنترنت وسيكون في كل شركة مسؤول متخصص في مجال الحجوزات وسيكون الوضع أفضل اقتصاديا، وكذلك أتوقع خروج أعداد كبيرة من شركات ومؤسسات العمرة والحج من الخدمة بعد تحول مؤسسات الطوافة إلى شركة خدمات للحج والعمرة، وستتحول الخدمات إلى خدمات إلكترونية. كما أنني أوجه تحذيرا لتجارة التجزئة فالتسوق الإلكتروني من المراكز التجارية الكبيرة سوف يقضي على تجارة التجزئة لأن التسوق الإلكتروني مشمول بإيصال الخدمة للمستفيد إلى موقعه، ومن مؤسسات المجتمع المدني المعرضة لمواجهة صعوبات في الاستمرار في تقديم الخدمات هي الغرف التجارية والتي تعتمد على التصاديق والاشتراكات، فعهد التصاديق انتهى مع تطور الخدمات الإلكترونية في الخدمات الحكومية وسينتهي شرط التصديق من الغرف وستبقى الغرف التي لديها مداخيل جانبية لخدمات أساسية يحتاجها المشتركون، وهذا يدفعني إلى نصيحة الغرف إلى العمل على تخفيف الترهل الوظيفي وتخفيض المصروفات البروتوكولية، ومع إنشاء الجامعة الإلكترونية وتحول جزء كبير من الطلبة لها فإنني أنصح الجامعات الأهلية إلى التحول الجزئي بنسبة 25% إلى التعليم (أون لاين On line) لما له من مردود اقتصادي يخفض تكلفة التشغيل.

ومن المؤكد أن بعض الخدمات الحكومية الإلكترونية ستغير هيكلة بعض الإدارات في الدولة مثل انتهاء دور كتاب العدل وتحويل الخدمة إلى مكاتب المحاماة في جميع تخصصات ومسؤوليات كتاب العدل، وستتحول الخدمة إلكترونيا بالكامل وغيرها من الخدمات الأخرى، وهذا لا يعني أن هناك كارثة قادمة على بعض الأنشطة التجارية والخدمية وإنما على أصحاب هذه الخدمات أن يستعدوا للتحول من النظام التقليدي إلى النظام الإلكتروني.

وأكبر مثال على انعكاس الثورة الرقمية والإلكترونية هي الصحافة في العالم التي تعاني معظم المؤسسات الصحفية في العالم من خفض في توزيع صحفها ومجلاتها الورقية نظرا لتحولها إلى صحف إلكترونية متاحة للجميع للاطلاع عليها من خلال الإنترنت، وغادرت العديد من إعلانات الصحف الورقية إلى الإعلانات الإلكترونية وهي الأوسع انتشارا، وتغيرت اقتصاديات التشغيل في الصحافة، وتعاني معظم الصحف السعودية من هذا التحول، وأتوقع تحول العديد من الصحف اليومية إلى صحف إلكترونية والتخلص من الترهل الوظيفي ومصاريف المباني التشغيلية.

وأخيرا فإن شركات الاتصالات ستواجه أزمة كبيرة نتيجة انخفاض المكالمات الهاتفية مدفوعة الأجر وتحولها عن طريق الأقمار الصناعية وبرامج الإنترنت التي ستغطي كافة أنحاء العالم، وعليها التحرك لتنويع خدماتها وتطوير استثماراتها.

* كاتب اقتصادي سعودي

abdullahdahlan@yahoo.com