عدنان هوساوي
عاد الجدل المثار حول مبنى الإذاعة والتلفزيون بجدة إلى الواجهة مرة أخرى، بعد أن انخفضت وتيرته في المشهد الإعلامي لفترة زمنية ليست بالقصيرة، راوحت فترة الانقطاع بين الشهرين إلى الثلاثة أشهر، فبعد صمت مطبق إثر تداعيات عملية الهدم والإزالة للمبنى التاريخي الذي افتتحه الملك فيصل رحمه الله قبل 51 عاما وتحديدا يوم الاثنين 30 ذي الحجة 1368 عاد الجدل من الجديد، بعد توقف لم يكن متوقعا في موقف لافت للأنظار ومثير للتساؤلات والدهشة، فقد استؤنفت عمليات الهدم والإزالة مطلع هذا الأسبوع، لتعود مظاهر القيل والقال وكثرة السؤال عن إزالة المبنى وظهور تلك التساؤلات على السطح مرة أخرى، بعد أن أوقفت عملية الهدم سابقا في خطوة فاجأت الجميع، بعد أن شرعت آلات التفتيت والتكسير، بدك الجزء العلوي للمبنى في سيناريو تراجيدي أدى إلى عاصفة من الانتقادات والاعتراضات وأحدث حالة من عملية الشد والجذب بين أطراف عدة، وفتح باب التراشق بالكلمات في بعض الأحيان والتناقض في التصريحات بين جهات وإدارات لها علاقة وثيقة بعملية الإزالة في أحايين أخرى، بناء على قرار من أمانة جدة التي أفادت بعدم مشروعية العملية، ولأسباب أخرى غير معلنة، لقد كان من الطبيعي جدا أن تحدث عملية من هذا النوع، كل هذا اللغط ومن الطبيعي جدا أيضا تواجد مثل هذا التباين في ردات الفعل بين قطبي الخلاف والاختلاف من مؤيدين للإزالة لأجل الانتفاع من مساحة الأرض، أو بحجج أخرى خفية، وبين المعارض لهذه الإزالة بذريعة أن المبنى تحفة أثرية ويمكن الاستفادة منه كنموذج قديم وفريد من نوعه، ويمكن ضمه إلى باقي الآثار الأخرى الواقعة في مدينة جده القديمة، والاستفادة منه تاريخيا بعد أن يتم إخضاعه لعمليات الترميم والصيانة، على كل حال فإن لهذا المبنى العتيق ذكرى جميلة ومجريات لفصول وشجون متداخلة ذات مشاعر حزينة وأخرى سعيدة لا سيما لمنسوبي الإذاعة والتلفزيون الذين عاصروا مع تلك البدايات شخصيات سياسية وفنية جالت وصالت في الاستديوهات، وفي أروقة المبنى الذي شهد انطلاقة فنانين كطلال مداح وعمر كدرس وقراء مشهورين سجلوا تلاوتهم داخل استوديوهات الإذاعة أمثال الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ محمود خليل الحصري وغيرهما كثير. لا شك أن إزالة هذا المبنى ستحدث فيهم بعض الألم والحسرة بعد أن ظل صامدا شامخا طيلة هذه الأعوام ولعدة عقود لم تؤثر فيه عوامل التعرية والمتغيرات البيولوجية كما هو حاصل في بعض البشر الذي تغيره الحالة النفسية في كل لحظة.

hosawy111@