من الطرائف أن شخصاً تخيَّل نفسه حبَّة قمح. وظل يهرب كلما لمح الدجاج. عرضه أهله على معالج، فأقنعه بأنه إنسان. خرج إلى الشارع ورأى ديكاً فعاد مسرعاً للعيادة ليقول لطبيبه: أنا اقتنعتُ بأنني إنسان ولكن هل اقتنع الدجاج بأني لستُ حبة قمح! والمقاربة هنا لتهذيب بعض حدِّيَّة الواقع، ولخفض مستوى التخييل.

ينشأ مع التحولات مصطلحات جديدة، ومما أنتجته المرحلة مصطلح «كفاءة الإنفاق» الذي تم تأسيس هيئة خاصة به، مهمتها دراسة مبالغ المشاريع وكلفتها الفعلية، وتشذيب وتهذيب العقود وإبداء الملاحظات لتفادي المبالغات في الميزانيات المخصصة للتنمية ونجحت الهيئة في توفير 95 مليار ريال من المال العام في أول سنة.

الكفاءة في الصرف تعني «الرُشد» وعدم «السفه» وتصلح مشروعاً وطنياً يعمم على الأسر والبيوت وخصوصاً ربَّات البيوت والأولاد ليعيشوا شيئاً من التقشف العملي ففي حين اتجهت الدولة وفق رؤية اقتصادية نحو ترشيد الإنفاق والتوقف عن الهدر لازال بعض الأفراد ينفقون ويعيشون وفق نمطية زمن البعزقة.

تتطلع رؤية المملكة إلى ضبط سلوك الأفراد، وضبط السلوك يحتاج إلى إجراءات موجعة أحياناً بهدف استيقاظ الوعي ليفرق المواطن خصوصاً الطبقات الكادحة بين الضروري وبين الحاجي وبين الكمالي على مستوى الاستهلاك، وما زيادة أسعار السلع والخدمات إلا رسالة موجهة لتغيير النمط المعيشي، كون الرؤية تستهدف إدراج ذوي الدخل المحدود في قوائم المدخرين بما لا يقل عن 30% من الدخل السنوي.

بالطبع هناك من يتعامل مع الراتب من منطلق (أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، إلا أن هذه المعادلة خطرة ومحرجة ومُلجئة للقروض والاستدانة، ومن الحكمة أن يعيد المجتمع النظر في تصرفاته والحكم على مدى عقلانيتها خصوصاً إذا علمنا أن سياسة الترشيد الحالية قد تستمر لسنوات، ولن نخرج منها إلى مستويات رفاه كما يظن البعض، فالطفرات غير المحسوبة انتهت.

الحكومة وفَّرت رقابة صارمة على الوزارات والإدارات لضبط المنصرفات وعدم العبث بالمال العام، ويفترض أننا جميعاً نتجه نحو الرقابة على هدر الماء والكهرباء والغذاء والدواء في منازلنا لأن عدم الاهتمام يحمِّلنا تبعات مالية كبيرة. ولا تتحمل الدولة مسؤولية قانونية كونها أعلنت أن التقشف وشد الأحزمة من خصائص المرحلة. لكنها لن تدخل كل بيت لتُعلمنا كيف نحترم المال ليحترمنا.