بينما يقف العالم ليندد ويشجب تتقدم الآلة العسكرية التركية نحو الأراضي السورية العربية، لتقتل وتشرد وتعبث بالسيادة العربية السورية التي باتت ساحة لمعظم القوى الدولية، فيما يخطط أردوغان للسيطرة تدريجياً على بعض الأراضي العربية وصولاً إلى عام 2023 حيث أكذوبة انتهاء اتفاقية «لوزان 2»، التي أتطرق لها في نهاية المقال.

الغزاة دائماً ما يبررون غزوهم بقضايا كبيرة تكون مقنعة في المقام الأول للداخل، وهو ما يفعله أردوغان المعرض لخسارة شعبيته وشعبية حزبه خلال السنوات أو الأشهر المقبلة، وهو ما دفعه للقيام بعملية مثل هذه في الأراضي السورية بمساندة أدواته الإعلامية التي روجت إلى أنه من سيقود مرحلة ما بعد انتهاء لوزان 2، التي يصفها بأنها جاءت على حساب الشعب التركي ودولته الكبرى.

قد يكون من المقبول قيام أي دولة بحماية حدودها وأمنها القومي بأساليب عدة، لكنه من غير المقبول أن يكون ذلك من خلال احتلال الأراضي المجاورة، وإلا أصبح مبرراً لكل دولة لديها المقدرة على احتلال مساحات من دول أخرى أن تفعل ذلك، كما تعد الخطوة التركية بداية لسلسلة من الاقتطاعات في الأراضي السورية، وقد تكون إسرائيل هي الدولة الثانية بعد تركيا التي تقدم على هذا الغزو.

برغم أن الهدف الذي تسعى له تركيا الآن ليس مغايراً لما كانت تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية من خلال دعمها لقوات «قسد»، التي كانت تسعى لإقامة المشروع الكردي في المنطقة، وأن القضاء على هذا الهدف يتطابق مع مساعي الدولة السورية، إلا أن الأزمة تتعلق بأهداف تركيا في الأراضي السورية والتي لا تقتصر على المنطقة الآمنة المزعومة، التي استغلها الرئيس التركي للتوغل في الأراضي العربية السورية، والسيطرة على بعض المدن على اعتبار أنها ولايات تركية، أما مزاعم تأمين عودة اللاجئين فهي أكذوبة أخرى، وقد أكدت العمليات السابقة من غصن الزيتون إلى درع الفرات إلى عفرين آلية القتل والتهجير التي تنتهجها القوات الغازية التي تصطدم في النهاية بالجيش السوري، حال عدم التوافق على الانتشار السوري على الحدود والعودة لاتفاق أضنة، أو الانتشار الروسي التركي، خاصة أن روسيا أكدت على ضرورة وحدة الأراضي السورية في ظل إشارتها لحق تركيا في الحفاظ على أمنها.

القراءة الأولية للمشهد توحي أن خطط تركيا العسكرية تهدف للسيطرة قطاع حدودي بين مدينتي رأس العين وتل أبيض اللتين يفصلهما نحو مئة كيلومتر، غير أن الهدف التركي هو التوغل لمسافات أكبر نحو العمق، إلا أنها في كل الحالات تسعى للبقاء تحت مزاعم توطين السوريين وهي المزاعم التي ستبرر وجودها من خلالها في الأراضي التركية حال بسط سيطرتها في تلك الأماكن، خاصة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحدث في وقت سابق عن توغل أعمق في سوريا يتجاوز «المنطقة الآمنة» وصولا إلى مدينتي الرقة ودير الزور، بزعم تأمين عودة اللاجئين.

في ظل هذه التوغلات التركية يحتمل معها عودة عناصر داعش للعمل مجدداً، خاصة وأن تركيا متورطة بالفعل في دعم العناصر الإرهابية، غير أن قيادات من قوات سوريا الديمقراطية هددت بسحب قواتها التي تحرس إرهابيي داعش المسجونين لديها، إلا أنه في هذه الحالة لن تواجه تلك العناصر الوجود التركي بل تكون شريكة له في تحقيق أهدافه، خاصة أن المناطق التي تسيطر عليها «قسد» تحتجز فيها نحو 8 آلاف داعشي، وحال هروبهم قد يتجهون إلى الرقة مجدداً ومعه يجد الرئيس التركي مبرراً آخر للتوغل نحو الرقة التي تحدث عنها في السابق.

الخلاصة من المشهد الراهن والتي يجب أن ننتبه إليها في الوقت الراهن أن الأطماع التركية قائمة ويسعى لتنفيذها أردوغان، بل إنه يساهم بشكل رئيسي في محاولة تقسيم الدولة ضمن الخطة الجديدة وصولاً لعام 2023، من خلال عمليات خلق الفوضى في الدول المستقرة، كما حاول مراراً مع السعودية ومصر وبعض دول الخليج، وهو ما يتطلب توحيد الصفوف العربية حفاظاً على وحدة سوريا، وإن اختلف البعض مع نظامها، «فإن الأوطان باقية والأشخاص إلى زوال».

يجب وقف هذا المخطط والعمل سوياً على تشكيل قوة عربية مشتركة حقيقة للدفاع عن أمن المنطقة بالكامل، خاصة أن العالم سيكتفي فقط بالإدانة والشجب حال تكرار المشهد في سوريا مع أي دولة عربية أخرى.

أوهام 2023تروج وسائل الإعلام التركية منذ فترة طويلة لأكذوبة كبيرة تتعلق بانتهاء معاهدة لوزان التي وقعت عام 1923 بعد 100 عام، أي أنه في عام 2023 ستعتبر المعاهدة ملغاة، وبذلك يصبح لأردوغان فرصة كبيرة للممارسة أوهامه في استعادة كل الأراضي التي فقدتها الدولة العثمانية بموجب المعاهدة، التي وقعت بين الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى وبين تركيا المنهزمة حينها، حيث حصل المسؤولون الأتراك على اعتراف أوروبي بدولة تركيا الحديثة العلمانية، في مقابل استقلال الدول والمناطق التي كانت تحت الاحتلال العثماني حتى ذلك التاريخ.

في وقت سابق من العام 2016 ومرات سابقة تحدث الرئيس التركي بأن هناك من يريد إقناعهم بأن معاهدة لوزان انتصار لتركيا وللأتراك، وأنهم هددوهم بمعاهدة سيفر في 1920، للقبول بمعاهدة لوزان عام 1923، وقد تبعها مطالبات عدة بالانسحاب بحلول 2023 باعتبار أن مدتها 100عام، وهي أكذوبة تركية روج لها الإعلام التركي، ولعل التأييد الذي حصل عليه أردوغان من بعض الأتراك في التدخل العسكري التركي شمال العراق، لتحصين خط حلب الرقة الموصل التاريخي، تمهيد للسيطرة على أماكن أخرى في الدولة السورية، وربما كل هذه الشواهد والدلائل التي قد لا يتحقق بعضها بفعل التغيرات الحالية في موازين القوى، إلا أنه وجب وضعها في عين الاعتبار والوقوف أمام الأطماع التركية في المنطقة كما غيرها من القوى المعادية للعرب.

* صحفي مصري وباحث في الشؤون التركية

mo_hemeda@