بعد أن كنا نقيس شيخوخة الرجل بإحالته للمعاش في عمر الستين، أصبح التقاعد اليوم أحد الفصول الأربعة من كل عام، إنه الفصل الذي تراوح فيه درجة الحرارة بين هجير الصيف وزمهرير الشتاء، إنه الفصل الذي تتساقط فيه أوراق التفاؤل والطموح بعد أن يتحول لونها من أخضر لأصفر باهت ومحبط، إنه الفصل الذي يتساوى فيه الليل والنهار لدرجة أن المتقاعد لا يفرق بين الأحد والخميس، إنه الفصل الذي تنمو فيه الالتزامات المادية للرجال حتى تبدو سميكة تمهيدا لقحط الشتاء، وهو الفصل الذي تهاجر فيه أسراب الموظفين من خط الاستواء الوظيفي إلى هامش الحياة العامة!

لقد دفع الملل وانعدام الطموح الوظيفي الكثير من الموظفين لتعليق مستقبلهم العملي على المنصة وسحب الكرسي من تحت قدميه لينهي بذلك حياته المهنية بمشنقة (التقاعد المبكر)!

لقد تحول التقاعد النظامي اليوم إلى استمارة 6 مكتوب على متنها فارقنا الله يخليك بشكل عاجل، فيما تحول الشيك الذهبي لتمثال نحاس بالكاد يباع بعشرات الريالات في سوق الخردة، اليوم تمنح بعض المؤسسات العامة أو الشركات الأهلية عروضا تصل إلى دفع 90% من راتب العامل مقابل أن يجلس في بيته حتى يحين تاريخ تقاعده النظامي، حتى المعلم الذي يعد من أكثر الوظائف راحة والذي كان يدرس أفراد العائلة كلهم باختلاف أجيالهم ولا يتقاعد إلا بعد قرابة 40 عاما من الخدمة، اليوم تنهال عليه عروض التقاعد المبكر بعد خدمة 20 سنة فعلية، والأغرب من ذلك أن البعض منهم يتمنى لو يستطيع التقاعد بعد خدمة 15 سنة ليرتاح ويريح من عناء التدريس على حد وصفه!

تبعات التقاعد المبكر سرعان ما تظهر على المتقاعد في الشهور الأولى حين يجد التزاماته المادية في تصاعد، وفواتير الخدمات في ازدياد، وحتى عدد أفراد العائلة في تكاثر سواء من جهة البنات المطلقات وأولادهن أو من جهة الأحفاد من الأبناء العاطلين، وحده المعاش الذي يظل ثابتا على 8 آلاف ريال، مما يجبره في الغالب على البحث عن وظيفة دون التسجيل رسميا حتى لا يخضع للتأمينات أو ما شابهها ويتأثر معاشه، وظيفه لا يزيد راتبها المقطوع على 3 آلاف شامل البدلات، فيما تبقى ساعات عملها طويلة ومرهقة ولا يوجد بها أي حافز أو مكافأة، لينطبق على المتقاعد حينها المثل القائل (اللي ما يرضا بالحمى تجيه النفاضة).

تمهل عزيزي الموظف وتمسك بوظيفتك الحالية وأحمد الله عليها ولا تنساق خلف الدعوات المضللة للتقاعد المبكر، فالحياة لا تزال أمامك وأنت لا تزال في عز شبابك لم تصل بعد سن الخمسين، انعم بصيف حياتك واستجم تحت شمسها واسبح في نهر أحلامها، ولا تستعجل على نفسك (خريف التقاعد).