تشرفت بزيارة جازان خلال الأسبوع الماضي. وكان مكاناً رائعاً بمعنى الكلمة. وكلمة «المكان» تحتاج وقفة لأن مكونات تعريفها تشمل «الموقع» و«التجربة». ولجازان أهمية خاصة جداً في كل منهما، وأكثر من ذلك بكثير. ولنبدأ بالموقع، فلو نظرت إلى المدن الكبرى حول العالم عبر التاريخ ستجد أن معظمها من الموانئ. وفي الواقع من النادر أن تكون هناك مدن تاريخية ليست موانئ باستثناء المدن المقدسة: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس الشريف. ولموقع جازان أهمية خاصة فهي بوابة بحرية استراتيجية أساسية للوطن يمر أمامها حوالى سدس النقل البحري العالمي يومياً. وهي أيضاً من أهم البوابات للقارة الأفريقية المتعطشة للسلع والخدمات بمختلف أشكالها وأنواعها. وللعلم فإن أفريقيا تمثل أحد أهم الأسواق المستقبلية للمنتجات السعودية بأطيافها المختلفة. ولا بد أن نضيف هنا أن الموانئ لا تقتصر على البحرية فحسب، فمنذ منتصف القرن العشرين أصبح دور الموانئ الجوية في غاية الأهمية لأنها تضخ خيرات تفوق اقتصاديات الصرف المباشر لركاب الطائرات. هناك مضاعفات للمصروفات وللعمالة في المطارات تدور مرات ومرات لتنعش الاقتصاد لتعظم مقدار الريالات المستثمرة. وجاء قرار تطوير موانئ جازان البحرية وبناء مطار جازان الجديد خطوةً رائعةً لدعم المنطقة ولرفع إنتاجية المدينة الصناعية الجديدة. وكانت خطوة تحويل مدينة جازان الاقتصادية إلى مدينة الصناعات الأساسية والتحويلية من الخطوات الرائعة الموفقة بمشيئة الله؛ لأنها ستضع الصناعات السعودية المختلفة بمتناول الطلب العالمي سواء كان قريباً في أفريقيا، أو بعيداً في شرق آسيا أو أوروبا. ولا تقتصر أهمية جغرافية جازان على الموقع فحسب، فهي أكثر مناطق المملكة في التنوع الجغرافي... في دقائق تتنقل من مدينة جازان إلى جبال فيفا التي تتمتع بأجمل الأجواء حتى في عز أيام الحر... وفي دقائق تنتقل من وديان ضمد الزراعية إلى شواطئ جزيرة فرسان الساحرة. وللعلم ففرسان هي أكبر جزيرة سعودية وهي تستحق مقالات قادمة أن شاء الله. وأتمنى أن أرى خلال ما تبقى لي من العمر مطار فرسان.

وكل ما ذكر يهتم بالموقع جغرافياً، وأما بالنسبة للتجربة، فخلال زيارة جازان مع مجموعة من الزملاء في مجلس الشورى، حصلنا على الترحيب، والتقدير، وكرم الضيافة إلى أقصى الدرجات: في كل خطوة، وكل زيارة وجدنا الكرم الأصيل، واكتشفنا بعضاً من كنوز جازان التي لا يعلم عنها إلا أهلها وعشاقها. اكتشفنا ثروات سمكية نوعية وكمية رائعة. أسماك قد لا تجدها في أي مكان آخر بنفس النوعية والكمية. واكتشفنا تربة زراعية غنية مبشرة بالخير لعطاء المنطقة للوطن بأكمله... تربة تفوح برائحة العطاء. واكتشفنا القهوة المتميزة التي تنتجها تلك التربة، وأنها تنتج 67 نوعاً مختلفاً من أنواع المنجا اللذيذة... وأكثر بكثير.

وبالرغم من كل ما جاء أعلاه، فهو لا يقارن بأهم موارد جازان وهو أهلها. أهالي المنطقة يتمتعون بصفات رائعة ومنها النشاط، والمثابرة، والذكاء الشديد، والكرم، والتواضع. وأعتقد أن خبرتي في التدريس لفترة تزيد عن ثلث قرن تؤهلني لتعميم هذه الصفات عليهم فقد وجدت أن طلبتي من المنطقة كانوا دائماً يشتركون في تلك الصفات دون أي استثناءات. ومن أروع تجاربي خلال الزيارة كانت لقاء مجموعة من طلابي السابقين بعدما وصلوا لمستويات قيادية عليا في جازان. واسمحوا لي أن أتقدم لهم بالشكر والعرفان هنا ومنهم: د. علاء نصيف، وم. عبدالمنعم علاقي، وم. حسن فقيه، وم. محمد عبده مهدي، والرائد م. علي فقيه، وم. يحيى الزهراني.

أمنيـــــة:

قد يشعر بعض القراء أنني أبالغ في وصفي لروائع منطقة جازان، ولكن الحقيقة هي أنني لم أعطها حقها في الوصف، فهي من كنوز الوطن الرائعة بمواردها البشرية، وجغرافيتها، وثرواتها الأخرى. أتمنى أن تزوروها لتشاهدوها على أرض الواقع: الموقع، والمكان، والأهم منهما هو الإنسان الجازاني الكريم، النشيط، المتواضع، الخلوق. أدعو الله أن يكرمهم جميعا ويوفقهم لما يحب ويرضى... وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي