تحقيق: ابراهيم عقيلي تصوير: عمرو سلام

أطلب سيارة في لحظة تعطل، أصعد، فإذا بي مع سائق سعودي في منظر لم أعهده من قبل، يدور بيننا حديث عابر، يستعرض فيه تجربته، ينتهي مشواري بجزيل الشكر وبعض عبارات الثناء على جهده وعزيمته. هذا كل ما كان يربطني بتجربة مهنة «توصيل المشاوير» التي كنت أعرف أنها أوكلت لشركات عالمية ومحلية كبرى، منحت الشباب السعودي فرصة لتحسين دخلهم الشهري، والبحث عن طرق بديلة للكسب المادي، لكن مهمة العمل التي خضتها خلال الأسبوع الماضي سائق أجرة، أو بمصطلحها الجديد «كابتن» عرفت منها أن في كل بيت «كابتن» يعمل في شركة للتوصيل، وأعداد الشباب العاملين فيها تتزايد يوماً بعد يوم، يحققون من خلالها بعض طموحاتهم، ولديهم هموم ومعاناة سواء مع الشركات المشغلة أو مع العملاء. فعالم «الكباتن» عالم كبير، يبدأ برنين التطبيق الشهير، ولا ينتهي بإغلاقه. فهو في اليوم التالي يفتح جواله ليستقبل رزقاً جديداً، بعد أن تعثر مرتبه الشهري في عقبة الديون والالتزامات. ولكن الأسئلة: هل الكابتنية في القيادة مجزية مالياً؟.. وهل تحقق لك شيئاً من طموحاتك؟ وهل تستطيع من خلالها أن تلتزم بمستلزماتك الشهرية؟، أم أنها عون مؤقت فقط؟.

استعنت ببعض الأصدقاء العاملين في كريم، لمعرفة الطريقة المثلى للتسجيل في المهنة الجديدة، بعد أن رفضوا منحي حساباتهم الشخصية للتجربة من خلالها، فاكتشاف الأمر يحرمهم العمل بشكل نهائي.

فكان لي طريقتان للتسجيل؛ الأولى عن طريق مكتب الشركة الواقع في أحد الأحياء الشمالية في مدينة جدة، والثانية أن أتقدم عبر الإنترنت.

فقررت أن أقف على الطريقتين، وبرفقة زميلي المصور عمرو سلام، ذهبت اليوم التالي إلى مكتب إحدى الشركات المحلية، وعندما دخلت إلى المكتب وجدت أعداداً من المسجلين الجدد والمراجعين يجلسون في صالة انتظار، أخذت رقماً من الجهاز بعد أن سألني الموظف عن سبب حضوري، فكتب لي بعض الشروط التي يجب أن تتوفر قبل أن يبدأ دوري، وأهمها أن أكون موظفاً في القطاع الخاص، لأعرف فيما بعد أنهم يرفضون عمل بعض الوظائف الحكومية، وطلب مني توفير بعض الطلبات الضرورية، وهي: رخصة قيادة، وتأمين للمركبة، وصورة شخصية بخلفية بيضاء، واستمارة السيارة، والسيارة للمعاينة، للتأكد من حداثة موديلها وسلامتها من الحوداث، ونظافتها.

غادرت المكان، لأخوض تجربة التسجيل عبر الموقع الإلكتروني الذي طلب شرطاً إضافياً، وهو فيديو مصور للسيارة من الداخل والخارج.

تمت العملية بنجاح بمساعدة كابتن قديم له خبرته في المجال، ليؤكد لي بأن تسجيلي من خلاله سيمنحه دعماً مادياً من الشركة بعد أن أجتاز مرحلة عملية معينة. ومن خلال عملية بحثي عن طرق التسجيل تفاجأت بخدمات تقدم عبر عدد من المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، بمقابل مادي، إذ تعرض عليك تلك الحسابات تسجيلك في شركات التوصيل ككابتن مقابل 100 ريال.

فشل المشوار الأول

تمت العملية بنجاح، وسجلت ككابتن معتمد في إحدى الشركات الكبرى «لإيصال الركاب»، ولا بد لي أن أبدأ مهمتي بنجاح، ولكن المشكلة التي واجهتها هي صعوبة التعامل مع التطبيق الخاص بالمشاوير، فكيف سأتلقى إشعاراً بالطلب الأول، وكيف سأعرف مكان الراكب، وكيف سأحصل المبلغ؟.. كل تلك الأسئلة وغيرها ظلت عندي بلا أجوبة.

فتحت التطبيق في وقت يتزامن مع خروج الطلاب من المدارس، وبعد دقائق معدودة يصلني تنبيه صوتي بطلب قريب من المكان الذي أقف فيه، ولكن جهلي بالعمل عليه ضيع علي فرصتي الأولى، فلم أستطع أن أصل وتأخرت عن العميل وأغلق الطلب، ولا أعرف حينها عن العقوبة المترتبة على التأخير.

قررت أن أغلق التطبيق، وأسأل أكثر عن طريقة التعامل معه، ولا أبدأ مهمتي بشكل عملي حتى أتدرب عليه جيداً، وبعد السؤال، وجدت رابط فيديو للشركة، يقدم لك شرحاً مفصلاً عن طريقة العمل من اللحظة الأولى إلى نهاية تحصيل المبلغ من العميل، وعرفت فيما بعد طريقة سهلة للإجابة عن كل الأسئلة التي يحتاج الكابتن إجاباتها، ومبادئ العمل، والتعامل مع بعض الإشكالات التي تظهر لك مع العملاء أو الحوادث العرضية التي تواجهك.

وبعد قضاء ليلة كاملة مع التطبيق، عرفت جزءاً كبيراً مع عملية التشغيل، وقررت أن تكون التجربة الفعلية في اليوم التالي.

نجاح المهمة

وقفت بسيارتي في أحد الطرقات المكتظة بالسكان، ويأتي الطلب الذي اعتبرته الأول بعد نجاح المهمة، قبلت، والتزمت بالسير مع الخارطة التي أوقفتني تحت بناية في حي شمالي، وبعد دقائق معدودة تنزل من البناية سيدة عربية، تلقي السلام وتجلس في المقعد الخلفي، وطلبت الالتزام بالموقع المحدد في الخارطة، وبعد انقضاء 10 دقائق فإذا بي بجوار مركز للشرطة، نزلت واستأذنتني بالانتظار وعدم إغلاق الرحلة، قابلتها بالموافقة، فانتظاري لم يدم طويلاً، لتعود إلي وهي تجهش بالبكاء ومعها طفلان صغيران، فضولي الصحفي يقودني للسؤال، ولكن وضعي ككابتن يمنعني من ذلك.

طلبت مني العودة إلى المكان نفسه، واتضح لي فيما بعد أن المشهد الذي أمامي هو حالة طلاق ومشكلة حضانة الأبناء، ومن تقودهما معها هما طفلاها استلمتهما من طليقها لقضاء يوم واحد معها، لينتهي بي الأمر في موقف إنساني لم أشهده من قبل، وتدور تفاصيل أخرى عن حياة زوجية انتهت بتلك المأساة.

وجه المجتمع

قبل خوض التجربة العملية (سائق تاكسي)، كنت أظن أن مهنة الصحافة قد كشفت لنا -نحن الصحفيين- الوجه الخفي للمجتمع، وجعلتنا أقرب لهموم الناس ومعاناتهم، لكن بعد انقضاء مهمتي أجزم بأن «سائق الأجرة» هو الأكثر معرفة بالآخرين وهمومهم، وهو الأقرب للناس ومعاناتهم، فخلال أيام التجربة ورغم قصر المدة إلاّ أنني وقفت على نماذج من الهموم والمآسي.

وآخرها كانت حينما تلقيت تنبيهاً لطلب قريب من حي جنوبي وفي ساعة الظهيرة، إذ يعتبره التطبيق ذروةً، وتسعيرته تزيد عن الأوقات الأخرى، وصلت للعميل الذي وجدته واقفاً بحقيبته، صعد إلى السيارة وطلب إيصاله إلى موقف «المدينة المنورة»، وهو عبارة عن مكان تجمع لسائقي الأجرة الذين ينقلون الركاب إلى خارج جدة، وبعد دقائق، سألني عن إمكانية إيصاله إلى المدينة المنورة، بـ500 ريال، شكرته على ثقته، واعتذرت له عن ذلك، ثم انطلق في الحديث، «أنا مستعجل للغاية»، فالراكب شاب في العشرين من عمره، خريج كلية الهندسة، استلم وثيقته من عامين تقريباً ولم يجد عملاً مناسباً يوازي شهادته، قال لي: «عملت في البداية عاملاً في أحد المحلات الكبرى للأزياء الشبابية، وكنت مديراً لأحد الفروع، ورغم أن المهمات كانت بسيطة لكن لم أقتنع بالمرتب الشهري، فهو لا يوازي شهادتي»، وظل يحكي معاناته مع الوظيفة وشهادة الهندسة التي لم تقابلها وظيفة مناسبة توازي مؤهله.

سرنا إلى شارع حراء في جدة، وهناك استقل سيارة أجرة أخرى (خصوصي)، ودفع لي قيمة المشوار، 45 ريالاً، وطلب مني الدعاء له بالتوفيق، فهو موعود بوظيفة في المدينة المنورة.

المشوار الثالث والأخير

أنهيت المشوار بتقييم الراكب، ومنحته الـ5 نجوم، وظللت أفكر في الحالتين التي مررت بها؛ الأولى مشكلة اجتماعية وأخرى وظيفية، وأنا أستمع لتلك المعاناة، ففي ساعتين تقريباً سرت من شمال جدة إلى شرقها، ثم إلى شمالها، بطريقة لم أعهدها من قبل، وأنا الذي أجد معاناة من المكوث في السيارة لأوقات طويلة، وبعد نصف ساعة وقريب من وقت العصر، يطلق التطبيق تنبيهاً لثالث المشاوير..

العميل سيدة، المكان شمال جدة بالقرب من شارع حراء، الوجهة نحو الجنوب.

أصبحت متمرساً قليلاً في تشغيل التطبيق، سرت نحو العميل في دقائق، فإذا بي أمام سيدة أخرى ومعها طفلان أيضاً، وما إن جلستْ على المقعد، حتى بدأت تثرثر في كل شيء، مشكلاتها مع كباتن الأجرة، ومع تربية الأطفال، ومشكلاتها الزوجية، وفي مشوار نصف الساعة، سمعت منها كل شيء حتى أسعار الخضار ومشكلة البائعين، كل ذلك وأنا في صمت، فأتيت لأستمع ولا أتحدث إلا قليلاً.

وصلت، قدمت لي قيمة المشوار، وخرجت تشكر وتثني.

العملاء نساء

في الأيام التي قضيتها «كابتن» لمست أن غالبية العملاء كانوا من النساء، ورغم قرار السماح للسيدات بقيادة السيارة إلا أن اعتمادهن على «سيارة الأجرة»، وشركات نقل الركاب كبير جداً، ولعل الأسباب هي الراحة من قيادة السيارة في الزحام، والتوفير بدلاً من دفع الأموال في الصيانة والوقود.

لكن ثمة مشكلات يعاني منها السائقون من كثير من النساء، وبشهادة السائقين أنفسهم، على حد قول مروان صلاح ومحمد خواجي اللذين التقيتهما في مطار جدة.

قالا: إن السيدات يحرصن على الاستفادة من عروض شركات النقل، الأمر الذي يكبد السائقين خسارة جني الأرباح «كاش»، وتأجيلها إلى نهاية الأسبوع حسب نظام الشركة، إضافة إلى أنهن يجهلن الطرقات والشوارع، فيعتقدن أن السائق يطيل المشوار لكسب مادي أكبر.

نتائج الاستقصاء:

- أعداد كبيرة من السعوديين يعملون سائقي أجرة في شركات النقل

- التقديم لا يتطلب شروطا معقدة

- السائقون العاملون في المهنة لهم مدونات وتجمعات إلكترونية

- المهنة تتطلب جهدا جسمانيا كبيرا

- سائق التاكسي لا يعاني من وقت فراغ

- العمل المستمر يعرض السيارة للتلف

- لا تصلح مهنة رئيسية ولكن دعما ماديا إضافيا

- سائق الأجرة أكثر معرفة بمشاكل المجتمع