لا يشعر الظالم بأثر الظلم حتماً كما يشعر به المظلوم، لكن المتابع لتدهور الظروف الحقوقية والاقتصادية في العراق وللعراقيين، لا يتفاجأ بانتفاضة «العراق الشعبي» ضد «العراق الرسمي» والذي تفجر بركانا وغضباً، بعد أن صَبَرَ طويلاً حتى أعياه الصبر فصبرُ العراق والعراقيين لا يماثله إلا صبر الجِمال، حسب شاعر العراق الملهم عبدالرزاق عبدالواحد.

المتابع المحايد للشأن العراقي، يعرف أن مشكلة العراق ليست «شيعة» ضد «سنة» أو العكس، ولم تكن مشكلة العراق عبر تاريخه مشكلةً طائفية أساسية رغم وجودها في العراق مثلها مثل أي مجتمع آخر، لكن مشكلة العراق أن شعباً بغالبيته الساحقة يتعرض للظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بسبب طبقة سياسية دينية متنفذة ومتسلطة.

نعم.... الشعب العراقي متحضر أكثر بكثير من كل حكوماته، كان على العراق الرسمي أن يقرأ ما كتبه المفكر العراقي علي الوردي جيداً وهو يقول: «دعاة السلطة يدعون إلى وحدة الجماعة، بينما يدعو المعارضون إلى مبادئ العدالة والمساواة»، خاصة أن غالبية العراقيين يجدون أنفسهم في صف المعارضة، والتي يراد تدجينها وتذويبها في معادلة الفساد السياسي. ما أقسى الظلم عندما يتمثل في وحدة الجماعة.

لقد تكالبت على العراق والعراقيين ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية لا يتحملها أي شعب، ولا أظن أن شعباً عاشها في التاريخ الحديث. فخلال عقود، وشعب العراق من كارثة إلى أخرى لا يلتقط أنفاسه إلا ويلج بكارثة أكبر وأعقد.

فمن الحرب إلى الحصار الاقتصادي الأمريكي الذي أزهق أرواح مئات آلاف الأطفال والإعاقات وشرد الملايين، ثم الحروب الأمريكية والتي استخدمت فيها أسلحة يعتقد أنها السبب الأساس في انتشار أكبر حالات إصابة بالسرطان خاصة في بعض المناطق، إلى وضع دستور غاية في السوء، حيث فرض حالة المحاصصة الطائفية بالقوة، دستور أوقع العراقيين في نفس الفخ الذي وقع فيه اللبنانيون مع دستور المحاصصة الطائفية، حيث التعطيل والفوضى والفساد بكل أشكال الفساد، فضلا عن تعطيل الحياة السياسية باسم الديموقراطية الطائفية بسبب تفشي الفساد بين رؤساء الأحزاب والكتل السياسية في البلدين، ناهيك عن الإرهاب الذي يترعرع وينتشر في المناطق المسكونة بالفقر والظلم والجهل.

توقيت الحراك الشعبي العراقي الذي يشهده العراق خلال هذه الأيام، لا يمكن قراءته بمعزل عن فرضيتين زمنيتين وتزامنيتين وربما أكثر.

الفرضية الأولى أن الإيرانيين نجحوا في رمي جزء كبير من تبعات الحصار الاقتصادي الأمريكي في ملعب العراق والعراقيين مما تسبب في تعطيل الاقتصاد العراقي وما نتج عنه من تفاقم لحجم البطالة بين العراق الشعبي، وتفاقم الفساد بين العراق الرسمي.

الفرضية الثانية، تتمثل بتأثير الموجة الثانية من الربيع العربي التي بدأت بالسودان والجزائر، وأعطت صورة مغايرة ومختلفة عن الموجة الأولى من نسخة الربيع العربي الأولى. وقد تكون الفرضيتان متوافرتين معاً في الحالة العراقية.

الوضع في العراق حساس جدا لا يقبل تدخلاً خارجياً بطبيعة الحال، وإن حسم الموقف لا بد أن يحسم داخليا بين المتظاهرين والعراق الرسمي، وهذا بلا شك امتحان حقيقي لوطنية المؤسسة الأمنية والعسكرية، والتي تتطلب وقف استخدام القوة المفرطة وقتل المتظاهرين في مظاهرات سلمية كفلها الدستور العراقي، والذي قد ينتهي بتغيير الدستور الذي هو صمام أمان الطائفية، وبالتالي الفساد والفقر والجهل والإرهاب.

لست متأكدا من فقد حضور التجربة السودانية في أذهان الحراك الشعبي الذي يؤكد حتى الآن عدم انتمائه أو ارتباطه بأي حزب أو تحالف سياسي أو ديني.

فرغم الاختلاف بين التجربتين السودانية والعراقية، إلا أن أبرز تلك الاختلافات بين التجربتين هو غياب الاتحاد الأفريقي في الحالة العراقية، والذي لعب دورا مهما في الحالة السودانية. وهنا لا بد لجامعة الدول العربية أن تكون قد تعلمت الدرس، وأن تأخذ المبادرة إذا ما تطورت الأمور، وانسد الأفق السياسي في الحالة العراقية، وأن يكون لها حضور دبلوماسي رفيع ومتمرس ومحترف، وانتزاع العراق من قوى تتربص بالعراق وإنقاذ العراق من استقطابات تهدد هويته العربية في كلتا الحالتين..

لقد أثبت الحراك الشعبي العراقي أن العراق ليس منقسما طائفيا أو مذهبيا كما يهلل ويكبر بذلك الطائفيون، لكن الانقسام الوحيد في العراق الذي أثبته هذا الحراك الأخير هو انقسام بين كل ما هو عراق شعبي وضد كل ما هو عراق رسمي.