لم تنتهِ قضية الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وما زال العالم يترقب في كل تغريدة للرئيس الأمريكي إيجاباً أو سلباً في قضية الحرب الحمائية للتجارة البينية بين الصين وأمريكا، وترتفع وتنخفض بورصة الأسهم العالمية للشركات الدولية وتتحسن أو تسوء توقعات النمو للاقتصاد العالمي، ورغم ملاءة وقوة أكبر اقتصادين في العالم إلا أن الآثار السلبية لهذا الخلاف سوف تؤثر على جميع اقتصادات العالم.

وفي ظل انشغال العالم بهذا الخلاف يظهر خلاف جديد وقضية جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الذي يعتبر شريكاً إستراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية، ومع آخر الأخبار من أحد المسؤولين في التجارة الخارجية للحكومة الأمريكية أوضح أن الولايات المتحدة تخطط لفرض رسوم جمركية قيمتها 10% على استيراد طائرات (إيرباص) الأوروبية مع إعفاء المكونات المنتجة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وسوف يبدأ فرض الرسوم ابتداءً من 15 أكتوبر الحالي ويتوقع أن يكون حجم الرسوم على استيراد السلع الأوروبية بقيمة (7.5) مليار دولار بعد موافقة منظمة التجارة العالمية التي سمحت للولايات المتحدة بفرض رسوم استيراد على سلع أوروبية بسبب دعم غير مشروع يقدمه الاتحاد الأوروبي لشركة (إيرباص).

وحسب ما أفادت الشركة الأوروبية المصنعة للطائرات فإنها توفر نحو 275 ألف وظيفة في الولايات المتحدة ضمن سلسلة الإمداد الخاصة بها، حيث إن 40% من مواد الطائرات تستوردها من الموردين الأمريكيين، وقالت «إيرباص» إنه في حالة فرض هذه الرسوم ستتضرر كل الصناعات في العالم، وأفادت كذلك بأن منظمة التجارة العالمية ستحدد الإجراءات التي يمكن أن يتخذها الاتحاد الأوروبي بشأن واردات الولايات المتحدة في قضية مشابهة بخصوص الدعم المالي الذي تقدمه الولايات المتحدة لشركة «بوينج» المنافسة، وأن الحل الوحيد لتفادي الآثار الاقتصادية السلبية جراء فرض هذه الرسوم هو التفاوض على تسوية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحل هذا النزاع.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة «إيرباص» أن المعركة بشأن دعم حكومي للطائرات بين أمريكا والاتحاد الأوروبي ستلحق أضراراً جسيمة على الطرفين، نظراً لأن سلاسل التوريد للطائرات مندمجة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بشكل كبير.

والحقيقة أن الكثير من المحللين الاقتصاديين يتساءلون عن عدالة منظمة التجارة العالمية في السماح بفرض رسوم وعقوبات على الاتحاد الأوروبي ولم تستطع أن تفرض عقوبات على الولايات المتحدة أو الصين اللتين تتفاوضان بلغة القوة الاقتصادية خارج منظمة التجارة العالمية ودون إشراك المنظمة في الحوار القائم بينهما، وأتوقع أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل قرار منظمة التجارة العالمية وقد يلجأ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتفاوض خارج منظمة التجارة العالمية، وفي خروج مجموعة الكبار من نظم وقوانين منظمة التجارة العالمية ومعالجة خلافاتهم خارج المنظمة، أجزم أن بقية الأعضاء من الدول النامية والأكثر نمواً لن تنصاع لمنظمة التجارة العالمية وقراراتها مستقبلاً، وإذا دفعت الظروف الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي للخروج من منظمة التجارة العالمية فهذه بداية انهيار المنظمة العالمية التي أصرت على وجودها الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى.

كما فتحت الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقاً حول الضريبة التي فرضتها فرنسا ووافق عليها مجلس الشيوخ الفرنسي، وتستهدف حوالى 30 مجموعة من شركات الإنترنت العملاقة التي تسمى (جافا) مثل «جوجل وأمازون وفيسبوك وأبل وانستغرام وغيرها» حيث إنه من المتوقع أن تجني منها فرنسا حوالى 400 مليون يورو في عام 2019م و650 مليون يورو في 2020 والعديد من هذه الشركات هي شركات تكنولوجيا أمريكية، وهذه الضريبة ستطبق على المؤسسات الرقمية التي تحقق رقم أعمال يزيد على 750 مليون يورو سنوياً؛ منها 25 مليون يورو بفضل مستخدمين في فرنسا، وستكون الضريبة بنسبة 3% من رقم الأعمال المحقق في فرنسا من خلال الإعلانات الإلكترونية وبيع بيانات لأغراض دعائية.

إن تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلباً على اقتصاد اتحاد الدول الأوروبية وعلى تباطؤ نموه وتراجع أسواق الأسهم الأوروبية والشركات الأمريكية في أوروبا، وسيسهم في انخفاض العملة الأوروبية (اليورو) دعماً للتجارة الخارجية واستقطاب السياحة وسيؤثر ارتفاع الرسوم الجمركية في أمريكا على انخفاض الصادرات الأوروبية من السيارات للولايات المتحدة، وفي وجهة نظري سيكون عام (2020) عام أزمة اقتصادية للاتحاد الأوروبي وعلى وجه الخصوص الاقتصادين الألماني والفرنسي، وأخشى أن يأتي الدور على صادرات البتروكيميكال والبترول الخام والغاز وصادرات الثروة المعدنية الخليجية.

وهذا ما يدفعني إلى أن أكرر ما كتبته سابقاً في كتابي عن التكتلات الاقتصادية الآسيوية بأنه من الضرورة إعادة بناء مستقبلنا الاقتصادي مع دول آسيا وعلى وجه الخصوص الصين والهند واليابان وكوريا وسنغافورة وإندونيسيا وباكستان.

وأجزم أننا ضمن الخطط المستقبلية لأمريكا وأوروبا لتحجيم دورنا الصناعي والتصديري كلٌّ حسب خطته وطريقته.

إن الصورة أصبحت واضحة وجلية لصانعي قرار السياسة الاقتصادية في دول الخليج وعلى وجه الخصوص في مستقبل التجارة الخارجية وأتمنى أن نعمل على أن نغير بوصلة التجارة الخارجية من الغرب إلى الشرق.

* كاتب اقتصادي سعودي

abdullahdahlan@yahoo.com