صحيح أن سحابة الدخان الأسود الكثيف انقشعت من سماء محطة القطار بحي السليمانية وصحيح أن ونانات المطافئ هدأت وخيم الظلام والرماد على صالات الانتظار ومحطات القدوم والمغادرة، لكن ألسنة اللهب الزرقاء لا زالت تشب بأضلعنا وحنايا صدورنا، إنه القهر بعينه حين نرى مشروعنا الحلم (قطار الحرمين) يختطف من أمام أعيننا وهو لا يزال في المهد، لقد شكلت ملامح الحزن ومرارة الفقد التي ارتسمت بكل تجلٍ على وجه الحاكم الإداري والوفد المرافق له عند زيارتهم التفقدية لموقع الحادثة، ملخص المشاعر التي تختزلها أنفسنا تجاه كل المتسببين في هذه الفاجعة الكبيرة التي حلت بنا تزامناً مع جملة الأحداث الجسام التي تواجهها بلادنا الغالية.

ننتظر جميعاً نتائج التحقيق وتوصياته، لكن إذا ثبت أن جرائم فساد تقف وراء حريق المحطة، فإنني أتمنى تكييف أفعال المتسببين وفقاً لنظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله، وأن تحدد العقوبة وفق المادتين 41 و42 باعتبارها إتلاف واختطاف إحدى وسائل النقل العام، وأن تصل العقوبة للسجن خمسة وعشرين عاماً، لأن ما حدث يعد زعزعة لأمن واستقرار المجتمع وإضراراً بأحد مرافق الدولة.

هناك جرائم خطف أو إتلاف تطبخ على نار هادئة، بحيث تقيد الجريمة في النهاية ضد مجهول، وقد كنا نرى مثل هذه الأفعال الشيطانية في الأفلام العربية زمان، حين يعمد القاتل الناقم على غريمه إلى تعطيل (فرامل العربية) وما إن تستوي الضحية على الطريق حتى تهوي به السيارة، ومن سوء حظه أن الناقلة التي أمامه تكون محملة بالأسياخ التي تخترق جمجمته وتشوه معالمه، مثل هذه الجرائم التي تحدث عن سبق إصرار وترصد يجب تشديد العقوبة فيها دون رأفة، لأنها تنبئ عن نفس شريرة غير قابلة للإصلاح ولا تنفع أن تكون لبنة من لبنات المجتمع بل مجرد عدد هامشي ضمن المساجين الخطرين القابعين خلف القضبان مدى الحياة.

في الوقت الذي تواجه فيه بلادنا الغالية الحرب الضروس ضد الجماعات والأحزاب والدول الناقمة والمتطرفة، وفي الوقت الذي يبذل فيه ذلك الجندي البطل روحه الغالية حماية للدين وتراب الوطن، يوجد بعض الفاسدين الذين لا ذمة ولا ضمير لديهم ويعيشون بيننا يعملون لمصالحهم الشخصية على حساب مقدرات ونهضة الوطن، لم تفلح معهم كل التحذيرات المعلنة بالضرب بيد من حديد على الفاسدين، لهذا أتمنى من اليوم معاملة جرائمهم على أنها أعمال إرهابية مناهضة للدولة.

المحطة الأخيرة، أتركها لنبض الشاعر الكبير/‏ بدر بن عبدالمحسن: يالله ياقلبي تعبنا من الوقوف .. ما بقى بالليل نجمة ولا طيوف، ذبلت أنوار الشوارع، وانطفى ضي الحروف، يالله يا قلبي سرينا، ضاقت الدنيا علينا .. القطار وفاتنا .. والمسافر راح !