وقعت عيناي في أحد مواقع التواصل الاجتماعي على وثيقتين تاريخيتين تعودان إلى ما قبل 52 عاماً، تقول الوثيقة الأولى الصادرة من المدرسة إلى الأمن العام إن قائد «القلاب» أقدم على إتلاف كرة قدم لأحد طلاب مدرسة أحد رفيدة وقد تم توثيق الحادثة على قائد «القلاب» ولكنه لم يلتزم بما تعهده من تعويض المدرسة؛ لذلك تم البلاغ.

أما الوثيقة الثانية من الأمن العام تبلغ الجهة المختصة والمدرسة بأن الموضوع قد تم تحويله إلى الشرطة وقامت الشرطة بإجراءاتها نحو قائد «القلاب» وتعويض المدرسة بالكرة التي أتلفها قائد «القلاب».

وقد تداول الناس هذه الحادثة بشيء من الطرافة وفي الحقيقة توقفت عند الموقف بشيء من الدهشة والإعجاب و«الأخلاق».. في الوثيقتين حكاية عظيمة تعطينا دروساً عن القيم والأخلاق والأمانة والنزاهة.. فالأمر ليس مجرد كرة، وإنما الأمر أبعد من ذلك ويلمس قيمة الحرص على المال العام.

المدرسة هذا المبنى الذي أُنشىء لأبنائنا من أجل التعليم والتربية تعاملت بحزم وخاطبت الشرطة تجاه أمر يراه البعض مجرد حادثة عابرة ويراه البعض الآخر «الحبة التي صنعت القبة» ولكنها في الواقع هي الأمانة والمسؤولية على حفظ المال العام مهما كان زهيدًا؛ فالمدرسة اعتبرت هذه الكرة زهيدة الثمن من المال العام الذي وفرته الدولة لأبنائها ومن واجبها حفظه والمطالبة بحق التعويض، والأمر الأجل والأجمل من ذلك هو تفاعل الأمن العام مع الموقف واسترجاع الكرة ولم يُهمش موضوعها البسيط بل تم تصعيده والتفاعل معه بناء على أنه من المال العام الذي اؤتمنت عليه من قبل الدولة..

هذه الصورة تعكس ما كان يتمتع به ذلك الجيل في ذلك الزمن من قيم المواطنة الصالحة والسقف العالي لديهم من النزاهة في حفظ المكتسبات التي وفرتها الدولة في ذلك الحين رغم بساطتها وقلة قيمتها المادية.. عكس ما نراه اليوم من النقيض تماما؛ نرى عشرات المرافق التي كلفت الدولة مليارات الريالات من الحدائق والملاعب والمدارس تتعرض للعبث من مجهولين ولا نرى من يقف في وجه هذا العبث بملاحقتهم ومتابعتهم قانونياً وردعهم حتى يكونوا عبرة ودرساً لمعنى القيم الوطنية النزيهة.

وليتنا نسأل أنفسنا عن أبسط الأموال العامة.. كم ورقة أتلفناها دون حرص؟ كم قلم خرج من مكاتب وظائفنا ولم يعد؟ كم جهاز؟ وكم مقعد؟ وكم وكم؟ هذه التفاصيل التي نراها بسيطة وقابلة للتعويض ونتهاون بها.. فما بالكم بالأمور الكبيرة من ميزانيات وأموال ومبانٍ عامة تم السطو عليها أو بعثرتها بلا ذمة ولا فائدة تعود للوطن..

ليتنا نبرز حادثة كرة الأمن العام و«القلاب» في مكاتبنا ومدارسنا وأعمالنا العامة؛ لندرس منها كل يوم حكاية «ذمة وضمير ووطن».

* كاتبة سعودية

monaotib@