من هول ما أصبحنا نسمع عن (بلاوٍ) وتهم وجرائم لا إنسانية يرتكبها بنو البشر ويلصقونها بالحالات النفسية والجنّ والعفاريت، أصبحت أشفق عليهم وأتعوذ بالله من تصرفات الإنسان الرّجيم !

فالآن أصبح كل مجرم فاسد يقول: (فيني جنّي) وأرجوكم أخرجوه، وكل مُعنف مريض يقول: أعاني من حالة نفسية وأيضاً (فيني جنّي) فعالجوني !

فأصبحنا نسمع عن العديد من جرائم القتل والسرقات والتعنيف الأسري وكان المُتهم في هذه القضايا هو (الجنّي) الغلبان !

وهُنا أرجوك يا عزيزي القارئ؛ أن تُعطيني عقلك ! فإذا كان الكاتب مجنونا فلا بد أن يكون القارئ عاقلا أو هكذا (أتعشم) !

قاضٍ يسرق وينهب من خيرات البلد ويُتهم جنّي، إخوة يخططون ويقتلون أختهم لاتهامها بقضية شرف ويتهمون جنّيا، زوج يتهم زوجته ويقطعها بالسكين ويرمي طفلته من الدور الخامس ويُتهم جنّي، مُعنف مريض يضرب طفله ويُبرر فعلته بحالته النفسية ويُتهم جنّي، شخص يعاني من أمراض نفسية ويتهجم على الناس ويقذفهم ويرميهم بأبشع الصفات ويُتهم جنّي، وغيرهم الكثير من النماذج المشوهة التي ترتكب الجرائم وتلصقها فيما بعد بالجنّ والعفاريت.

وبلا شك يا عزيزي القارئ إن صدقت كل هذا الهراء أعلاه فأنت (ملبُوس) وبك مسٌ من الجان وأنصحك بزيارة شيخ موثوق ليرقيك ويقرأ عليك ما تيسر من الذكر الحكيم ثم يعطيك (علقة) تُعرفك أن الله حق وتُخرج الجنّي الذي فيك.

فالجنّ ليسوا مسؤولين عن أمراضك النفسية وسلوكك الإجرامي وأخلاقك السيئة، وما يدفعك لارتكاب الجرائم ما هو إلا مرض نفسي يستوجب عليك زيارة طبيب نفساني ليعالجك منه.

وكون أن الجان يتلبسون الناس ليحرضوهم ويدفعوهم لارتكاب الجرائم ما هي إلا (خُرافة) أو كذبة اخترعها البعض الغبي وصدقها البعض الساذج وتعامل معهم على هذا الأساس.

فاليوم صار أقصر الطرق للهروب من مسؤولية ارتكاب أي جُرم هو ادعاء أنك (ملبوس) ولست طبيعياً وأنك تحت تأثير الجن المسؤولين عن ارتكابك لأفظع وأبشع الجرائم.

مهزلة ما بعدها مهزلة والله، فعندما يزعم البعض أن هذه الأفعال ترتكب بأمر من الجنّ ويصدقهم الناس فهذا يساعد على انتشار الخُرافات والجهل ويُخلص المجرمين ويعفيهم من المسؤولية، ويعود بنا أيضاً إلى عصور الجاهلية حيث كان الناس لا يستطيعون التفريق بين أحقية وجود الجن في عالمنا من عدمه.

ولو افترضنا أن للشياطين أو الجنّ أن يؤذوا أو يضروا بني آدم ويتلبسوهم ويدخلوا في أجسادهم، هل يعقل أن يعرفوا ما يدور في عقولهم ونفوسهم ويحرضوهم على فعله ؟!

فكر، ولا تُعطني عقلك هذه المرة بل احتفظ به !

ما باليد حيلة، سوى أني أعتذر بشدة عن هذا المقال المُزعج وأنوه بأني لستُ مسؤولة عنه، فقواي العقلية (الله بالخير) وفيني (جنّي).

وأقترح على الجماعة في («عكاظ» الحبيبة) أن يوفروا لنا شيخا مجانيا ليرقينا ويقرأ علينا جميعاً ليكسبوا أجرنا.

فقد كنت جالسة في أمان الله وفجأة حرضني وأمرني جنّي بكتابة هذا المقال وفعلت، ثم قرأت على نفسي المعوذات وتحصنت وقلت له اخرج -لعنك الله- من إصبعي، وبعد معاناة معه أبشركم خرج لكن من قلمي فأحكمت إغلاقه.

* كاتبة سعودية

Twitter: @rzamka

Rehamzamkah@yahoo.com