جاء فتح الرياض على يدي الملك عبدالعزيز -رحمه الله- يوم الخامس من شوال لعام ألف وثلاثمئة وتسعة عشر للهجرة مختلفا وفارقا في تاريخ الجزيرة العربية، بل مؤثرا في الإقليم والعالم، فهذه المنطقة التي ظلت مهملة لسبعة آلاف عام، ستتحول عما قريب وخلال سنوات قليلة قادمة إلى أهم دولة في العالم والمزود الأكبر للطاقة. البترول الذي سيغير معالم الحياة ويجعلها أكثر سهولة وأيسر حالا.

إنه التاريخ الذي صنعه عبدالعزيز بصبره وحكمته ودهائه، والجغرافيا التي حول مسارها بائتلاف الناس وجمعهم وتطييب خواطرهم.

لنذهب الآن إلى يوم واحد فقط قبل فتح الرياض أي في 4‏ شوال 1319 - 14 يناير 1902، كيف كانت تبدو الجزيرة العربية أو لنقل معظمها، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

لقد كانت في حالة من اللادولة، مجرد إمارات محلية أو مشيخات متصارعة متنافسة، يتزعم كل منها نطاقا بشريا وجغرافيا محدودا، لم يشكل أبدا ملامح الدول الحقيقية، بل مجرد تجمعات إنسانية متناثرة متنازعة للحفاظ على حياتهم والانكفاء عليها.

بالطبع كانت التنمية في أدنى مراتبها، بل يصح القول إن هذه البلاد لم تعرف التنمية قط، فلا طرق ولا مدارس ولا سدود ولا مياه عذبة ولا زراعة حقيقية، ولا أي مظهر من مظاهر الحضارة، مع العلم أن القطارات والطائرات والسيارات والكهرباء والنهضة الصناعية بكاملها كانت تنتشر بسرعة في أوروبا والقارة الأمريكية، بل إنها اقتربت أكثر في «القاهرة - بغداد - دمشق - القدس».

دعونا نغوص أكثر في تفاصيل الجزيرة العربية بكل مكوناتها الرئيسية - نجد والأحساء والحجاز وعسير -، كيف كان الفقر والفقراء، وكيف تبدو المدن الصغيرة الموحلة والقرى النائية، كيف كانت تتقطع السبل ولا يعود المهاجرون، ويموت الأطفال بكثرة وتجهض الحوامل ولا يتلقى المرضى والجرحى العلاج الكافي، كيف تسقط الأسنان مبكرا وتذبل البشرة وتذوب الأجساد من حرارة الشمس وقلة المياه والغذاء وكثرة الجهد.

كيف كان يغادر الآباء منازلهم إلى الهند والشام والعراق والحبشة بحثا عن لقمة عيش تسد جوع أهاليهم، وهم يعلمون وأسرهم تعلم أنهم قد لا يرجعون من غربتهم أبدا.

إنها قصة عذابات إنسان الجزيرة العربية على مدى 7000 سنة عاشها خارج نطاق التاريخ والتمدن والحياة، لم يلتفت إليه ولم يعنه عليها أحد بينما كانت العراق والشام وفلسطين ومصر تعوم فوق الخيرات والثمار والمياه.

كيف تحملت تلك الأجساد لهيب الحر في صحارى النفود والدهناء ورمال تهامة، وكيف واجهت البرودة القارسة بثياب لا تكاد تغطي الأجساد وبيوت من «الشعر» والطين، متهالكة، لا أبواب ترد، ولا نوافذ تصد، يأكلون الجراد والحشائش ويشربون المياه الكدرة المختلطة بالطين هذا إن وجدوها..

اليوم يجب أن نتذكر كم عانوا وكيف غمضت أعينهم على الوجع، وعلى حلم تمنوه ذات يوم، وتحقق أخيراً لأحفادهم.

لقد اختلف الأمر كثيرا بعد يوم واحد من دخول عبدالعزيز الرياض..

عبدالعزيز الذي كان يحمل بين يديه مشروعا إصلاحيا وحلما لدولة مركزية وحدوية كبرى، مستمدا مشروعيته من إرث أسرته العريقة لأكثر من ثلاثمئة عام في الحكم، ومن تنمية حقيقية بدأت من تأسيس نظام أمني طبق أحكام الشريعة بعدالة صارمة، واتصالات يعرف بها أحوال رعيته عبر البرقيات التي توزعت في كل إمارة، إضافة إلى البحث عن مصادر التنمية والتحضر وجلب الخبرات اللازمة لها.

وما قصة البترول التي أصر الملك عبدالعزيز على البحث عنه واستخراجه، وبذل من أجل ذلك الكثير من الجهد والسياسة والدهاء، إلا دليل على شغفه وحرصه على إيجاد الوسيلة التي ستساعده على تحويل بلاده من قفار وصحار إلى محط أنظار العالم، وإليها يهاجر مئات الملايين بحثا عن لقمة عيش وفرصة عمل. وهذا ما تحقق على يديه وأيدي أبنائه الملوك من بعده.

* كاتب سعودي