في خضم الأحداث المضطربة التي تعصف بالمنطقة، ومن داخل دوائر الفوضى التي تتفنن إيران في صنعها، كثيراً ما تساءلت بيني وبين نفسي عن مدى اهتمام النظام الحاكم في طهران بالعقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليه، وبخلاف الطبيعة الشاذة التي يتميز بها نظام الحكم في إيران، من لامبالاته بالعزلة الدولية أو تمتعه بالنفور الدولي والإقليمي منه، يتصور البعض أن العقوبات الاقتصادية هي دوماً السلاح الأكثر تأثيراً على أنظمة الحكم المارقة مثل النظام الإيراني، وبقدر ما تتزايد الضغوط العالمية وتشتد العقوبات الاقتصادية وتغلظ، بقدر ما تقترب نهاية تلك النظم، سواء بتفككها على نحو تدريجي أو حتى انهيارها بشكل مفاجئ وبدون مقدمات.

بصفة شخصية -وعلى نحو يقيني- أكاد أعتقد أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، فالنظام الإيراني لا يتحمل مشقة تلك العقوبات الاقتصادية التي تتزايد ضده يوماً بعد يوم، فهو -وعلى نحو تلقائي تماماً- يُحملها على الشعب الذي تتزايد معاناته وتتعقد حياته يوماً تلو الآخر، دون أن يمتلك أي قدرة على الاعتراض أو حتى مجرد الشكوى، فكلما تأزمت الظروف وازدادت الضغوط على النظام، كلما توجه للشعب فارضاً عليه المزيد من خطط التقشف وإجراءات تقليص الإنفاق العام، وهو الشعب الذي يتوخى عليه في كل مرة تُفرض عقوبات جديدة على النظام تحمل المزيد والمزيد من شظف الحياة والاستمرار في الحياة الكادحة والاستماتة في بذل الكثير من العمل دونما طائل يذكر.

في واقع الأمر إيران لا تتفرد بهذا المسلك، فكافة الأنظمة الحاكمة التي تتميز بالاستبداد المطلق تشاركها هذا الأمر، كعراق صدام مثلاً على سبيل المثال، والذي كان يتفنن في العبث بمصائر الشعب العراقي ويحركها كما يحرك قطع الشطرنج، وهو ما أكدته الكثير من الأدبيات العراقية التي تناولت فترة صدام حسين الدموية، ومن أهمها كتاب هيثم الوهيب (رئيس البروتوكول العراقي السابق) «في ظل صدام»، يقول الكاتب «كان القصر الرئاسي يفيض بالأغذية الأكثر رفاهة والأطعمة الألذ مذاقاً في الوقت الذي كان يصارع فيه عامة الشعب الحياة كل يوم لتأمين قوت يومهم».

ويؤكد ما سبق أيضاً الكاتب مصطفى عثمان الذي كان يعمل بإحدى مؤسسات الإغاثة الدولية في فترة الحصار على العراق، في كتابه «في سجن أبو غريب» بأنه دُعي مع لفيف من زملائه العاملين في نفس المجال إلى تناول الطعام في أحد القصور الرئاسية لصدام، وقد أذهلت الموائد الفارهة أعضاء الوفود في الوقت الذي كان يصارع المواطن العراقي للحصول على رغيف العيش، وقد أبلغ أحد مرافقي صدام الوفود بأن هذا هو الطعام الاعتيادي للحكومة العراقية، أما الحصار فلا يتأثر به إلا الشعب العراقي فقط.

بعكس المتوقع تماماً تستفيد إيران بصورة ما من هذه العقوبات؛ فهي توظفها إعلامياً باعتبارها نوعاً من العدوان الخارجي على مكتسبات الدولة في محاولة لتركيعها وإذلالها للانصياع والدخول في طوع النظام الدولي المعادي لاستقلالها، وهو ما يؤدي بالتبعية لشحن الشارع الإيراني الذي يتغذى يومياً على شحنات متزايدة من الوهم والألفاظ الرنانة والمفاهيم المغلوطة والمصطلحات الطنانة، هذه الأيديولوجية يحرص النظام تماماً على تكريسها وتجذيرها في وجدان جميع أبناء الشعب الإيراني بكافة الوسائل الممكنة، وكلما تصاعدت وتيرة فرض العقوبات ضد النظام، تفنن في تغذية موجات الغضب المكتومة داخل أعماق المواطنين المغلوبين على أمرهم، وسعى لتوجيهها ضد المجتمع الدولي وضد المملكة وحلفائها، ومن هنا نبع يقيني من أن العقوبات الاقتصادية لن تؤتي ثمارها، لأن منطق العقوبات ينجح مع الدول التي تحترم شعوبها وتقيم لهم وزناً، ولكن عندما تمارس الدولة نفسها الإرهاب الفكري والسلوكي، فإنه من المتوقع أن ازدياد العقوبات ضدها يزيد من غيها وفسادها.

تظن إيران أن اتباعها لسياسة «جر الشكل» مع المملكة قد ينجح يوماً ما، وتعتقد أن محاولاتها للتمويه على أنشطتها الإرهابية قد تدفع المملكة لمهاجمتها على نحو صريح، وبالتالي تواتيها الفرصة سانحةً لتصوير المملكة على أنها الطرف المعتدي، وأنها هي إيران الضحية المغلوبة على أمرها، غير أن ما لا تعرفه إيران هو أن المملكة تفهم السياسة الإيرانية جيداً، بل تدرك بوضوح أيضاً العقلية التي تفكر بها إيران، وهى من جانبها تثمن موقف كل من يقف بجانبها، ولكنها تتصرف دوماً على النحو الذي يراعي مصالحها ويحقق مطالب شعبها ويلبي احتياجاتهم.

من المؤكد أن هناك أطرافاً عديدة تغذي الموقف الملتهب الحالي في المنطقة وتسعى للتكسب منه، فبخلاف الأطراف المعتدية هناك الدول المصنعة للأسلحة التي تحقق أرباحاً خيالية من خلال إذكاء الحرب المشتعلة في الوقت الراهن، لدينا الكثير من الحلول والبدائل لنختار الأنسب منها في الوقت الملائم، وهذا ما لا يعني بطبيعة الحال عدم الرد على عدوانية إيران، ولكن الأهم من ذلك هو تحديد متى سيكون الرد وكيف سيكون.

* كاتب سعودي