أصبح الشيبة (حسين) متنكداً، اقترب موعد انتقال أولاده للبيوت المسلحة، كان ناقماً على الصندوق العقاري اللي خلى الروس تتساوى. قال لرفيقه (حسن): وش لنا ولقروض بقعا، فككت القرية اللي كانت بيوتها متلاصقة مثل علب الكبريت، وشتت شمل الجماعة كل واحد ابتنى في شعب وإلا في دعب.

أنهى أبناؤه عمار ثلاث فلل على أحدث طراز، وأحاطوها بحوش كبير، وأثثوا المجالس والغرف من الزل العجمي والفرش الإيطالي، وحددوا يوم الخميس موعداً للنزالة «عشاء للجماعة» كلهم صغير وكبير.

جاءوا إلى أبيهم فقال الكبير «لا تأخذ في خاطرك يابه، كل واحد منا خصص لك غرفة في الدور الثاني، وعندك ثلاجتك وتلفزيونك، وحمامك جوا الغرفة»، سحب عصاته من تحت السرير، وقال: يا عيال الكهلة ما قعدت في حراكم. بيوتكم الله يهنيكم بها حيلوا عني.

تحايلوا عليه، وكل واحد مسك بطرف من ثوبه لحمله، فأنشب كراعينه في العابر. العيال يسحبون فيه ليخرجونه، وينزلون به، وهو متوّتر بكل قوته، انحفش ثوبه، فطلب من الصغير يستره، ونصل الكمر من وسطه، وبعد عراك طويل عجز فيه أولاده وفكوه. قال: أنتم من عقولكم صاح الله عليكم، أخلّي بيتي، وحلالي، وأسكن في سجنكم بين حديد ونار. فقالوا بصوت واحد: أمّنا بتندر معنا. قال: ملقّى خير أنتم وهي.

باءت المحاولات بالفشل، استعانوا بالعريفة والفقيه، فطلبوه ورموا عمائمهم في حضنه فقال: يا لُقاة الخير، والله ما نيب كاره عيالي، عسى الله يعمّر لهم. لكن سمني في العكاك، وخلايا نحلي فوق الحداد، وبقرتي في السفل، وخصاف الحنطة في الشقيق، أخليها وافلح أسكن في بيت السيفون والتلفزيون. تراكم ما تقدّرون العواقب.

أقسم الابن الأكبر ليهبّط الغنم والبقرة للبيع، ويفك الحمار على رأسه. قال الشيبة: والله ما تشير عليّ ورأسي يشم الهوى يا ولد أمه. سأله الابن الوسطاني: وش تبغي بالحمار والبقرة والنحل وانحن في نعمة، تعويضات ورواتب وخيرات. ردّ عليه بزفرة، «ما ندري كيف تقول الدُنيا، كمّن الله يحوجنا لها، وساعتها فين تلقي برأسك يا داشرة»، علمي وسلامتكم.