لا توجد دولة عاقلة ومتزنة ومتحضرة تعلي قيم الحياة والإنسانية وكرامة البشر ثم يكون خيارها الحرب إلا إذا تم الاعتداء عليها واستنفدت كل الوسائل السلمية الممكنة ولم يعد أمامها خيار آخر للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة شعبها. الحرب خراب ودمار يحصد الأخضر واليابس، ويتضرر منه المغلوب والمنتصر، وفي هذا الوقت بالذات مع التقنيات المتطورة للأسلحة فإن شبح الحرب مخيف جداً، فبالإمكان خلال لحظات وبضغطة زر إبادة كل معالم الحياة في أي مكان. وحدها الأنظمة المجنونة التي يتحكم فيها المهووسون والمخابيل والمتخلفون هي التي تستسهل إشعال الحروب كما هو حال النظام الإيراني.

مساء الأربعاء أعلنت وزارة الدفاع السعودية في مؤتمرها الصحفي المعلومات التي تثبت أن أسلحة الهجوم على مصافي النفط السعودية كانت إيرانية، وأن الهجوم كان من جهة الشمال، بمعنى أن السلاح ومنصة الهجوم والتوجيه والإشراف على العملية كان إيرانيا خالصا. هذه الحقيقة كانت شبه مؤكدة مسبقاً لكن كنا ننتظر المعلومات الرسمية التي تؤكدها بشكل قاطع، ومع ذلك فقد اختارت المملكة رغم تأكدها إشراك المجتمع الدولي في استكمال البحث والتحقيقات ليكون شاهداً وحتى تكون إيران مسؤولة أمام العالم وليس المملكة فقط.

حسناً، دعونا نفترض أن كل المشاركين في التحقيقات تأكدوا من المعلومات السعودية، فهل سيكون عندها خيارنا الأول والوحيد هو الحرب، أو هل ستكون الحرب على إيران هي طلبنا الرئيسي من العالم، أو سوف نوافق فوراً وبارتياح على قرار هجوم تتخذه أمريكا منفردة أو ضمن تحالف. هذا سؤال أخلاقي وإنساني ووطني أيضا، وبالتأكيد هو مطروح بقوة لدى دولة داعية على الدوام للسلام والاستقرار والأمن وخير الإنسانية كالمملكة حتى لو كانت تملك أسباب القوة الكافية لردع أي اعتداء ومن أي جهة وبأحدث وسائل وتكتيكات الحرب.

لو صدق المجتمع الدولي في نيته لجم إيران وإيقاف تهورها فهناك وسائل أخرى فعالة غير إشعال فتيل المواجهة العسكرية التي إن بدأت فالله وحده أعلم كيف ومتى تنتهي، وما هي العواقب التي ستنتج عنها على المنطقة والعالم. لو تخلت أمريكا عن اللعب على الحبال وخلط الأوراق في الملف الإيراني وأرادت بالفعل خلع مخالب إيران بغير الحرب فهي قادرة على ذلك، وتستطيع بتفاهماتها مع بقية حلفائها الغربيين وشركائها في المصالح الدولية أن تحقق هذه النتيجة وتجنيب المنطقة من مآلات خطيرة.

نعم لا بد أن نحمي وطننا وأمننا ونردع من يستمرئ التعدي عليه، لكن علينا الحذر من استدراجنا إلى قرار خطير بالإمكان إيجاد بديل أفضل له، وكلنا ثقة في الحكمة السعودية مثلما هي ثقتنا في قوتها واستطاعتها حماية أمنها.