بين الخُبر وبقيق خط طولي لا يتعدى 60 كم، وطريق للسيارات يصل في حده الأقصى إلى 80 كم، لكنها مسافة طويلة من طهران قبل أن تقطعها الطائرات والصواريخ والصهاريج المتفجرة، ومع ذلك فعلتها إيران دون أن تعرف أنها ارتكبت أكبر أخطائها والتي ستدفع ثمنها غالياً. وسترى - هذا ليس وعداً- إنها الحقيقة.

علاقة طهران بالإرهاب الممنهج والموجه ضد السعودية قديمة جدا، بدأت منذ أوائل الثمانينات الميلادية لليوم، متنقلة من المنطقة الشرقية إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة تخللتها إثارة الشغب والمظاهرات والتفجيرات وتهريب الأسلحة، وانتهاء بما حصل يوم الرابع عشر من سبتمبر بضرب أكبر معامل النفط في العالم «بقيق».

في يونيو 1996 وقع تفجير الخبر الذي قامت به طهران، الانفجار الضخم اهتزت له مدينة الخبر السعودية بالكامل، اختار الإرهابيون وقتا متأخرا من الليل وتسللوا بشاحنة ضخمة للمياه – للتمويه - وضعوا كميات هائلة من المتفجرات داخلها، حوالي 2500 كجم من المتفجرات البلاستيكية، وهو ما يكفي لإنتاج قنبلة بقوة عشرة آلاف كجم على الأقل من مادة تي إن تي.

لقد كان الهدف من العملية إحداث أكبر قدر ممكن من الأضرار والضحايا، استهدفت العملية مجمعا سكنيا – مدني – يقطنه مستشارون عسكريون أمريكيون، كان التفجير قريب جدا من شركة أرامكو السعودية.

قام المهاجمون - الذين تدربوا على أيدي خبراء من حزب الله اللبناني – أحد مقاولي المخابرات الإيرانية - بتهريب المتفجرات إلى المملكة من لبنان، كان من بين المتهمين الذين طاردتهم المخابرات السعودية وجلبتهم للعدالة عبدالكريم حسين الناصر، أحمد المغسل، علي سعيد الحوري، إبراهيم صالح اليعقوب، وقائد العملية ضابط مخابرات حزب الله.

لقد تعاملت الرياض مع حادثة الخبر من خلال شقين مهمين؛ الأول تحقيقات على الأرض وملاحقة الفاعلين وجلبهم للعدالة، ثانيا إشراك الطرف الثاني – وهو هنا الولايات المتحدة الأمريكية – في تحمل تبعات الحادث لأن الضحايا وصلوا لـ 19 ضابط أمريكي، لقد وضع السعوديون ملف الاعتداء الإرهابي على طاولة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون متضمنا أدلة قطعية بثبوت تورط الإيرانيين، إلا أن الأمريكيين تهربوا من الأخذ بثأر قتلاهم وبقيت الحادثة مفتوحة لليوم.

حادثة بقيق لا تختلف عن حادثة الخبر، لا من حيث الفاعل، ولا من حيث الأضرار التي خطط لها «الجاني» المتمرس والجالس على مكتبه في طهران وأمامه خارطة المنطقة يفجر في الخبر وبقيق تارة، وفي المراقد والمساجد والأسواق العراقية تارة أخرى، أو داعما للقاعدة داعش ومستضيفا قادتها وكوادرها، أو مرسلا جنوده ومرتزقته إلى سوريا، أو مهربا المتفجرات والأسلحة والمخدرات إلى عملائه في لبنان واليمن ليوظفوها ضد المملكة، ومديرا للمشهد السياسي في الدوحة وبيروت وبغداد.

بعد 23 عاما عندما اختار الإيرانيون أن يضربوا في نفس المنطقة مرة أخرى، لا شك أنهم لم يستهدفوا المنطقة الشرقية عبثا، بل لأنها سلة نفط السعودية وتاج اقتصادها، ولتعطيل الرافد الرئيسي للتنمية ومشروعها النهضوي.

انها حرب طويلة بدأت منذ أربعة عقود، تريد إسقاط السعودية ومشروعها الإصلاحي، لقد تصدت لها السعودية نيابة عن نفسها وعن أمتها وحتى عن المجتمع الدولي، وها هي تتحمل تبعاتها، هل نسينا كيف كانت الرياض خط المقاومة الأقوى والأصلب لإيقاف المشروع الإيراني الذي حاول اجتياح العراق.

لقد وقفت الرياض كتفا بكتف مع بغداد عسكريا واقتصاديا وسياسيا، فخسارة العراق كانت تعني أن عاصمة إيران ستنتقل من طهران إلى موقع «قصر كسرى أنو شروان» في المدائن بوسط العراق، وخسارة البحرين كانت ستحولها لضاحية إيرانية، وكيف كان اليمن قاب قوسين أن يتحول من مهوى أفئدة العرب ومعقل لغتهم وجذرهم العريق إلى مجرد دولة تدور في فلك «التشيع السياسي».

إنها أحلام الفرس في استعادة إمبراطوريتهم محملة بأوهام تصدير الثورة أو نشر التشيع السياسي أو سمها ما شئت، هي في نهاية الأمر انكسار القادسية الذي يريدوننا أن ندفع ثمنه، مع ذلك التآمر الذي تصنعه إيران على أعين المجتمع الدولي، أبقت السعودية أحلامهم أسيرة حدودهم وحولتها إلى أبخرة من العدم، وكلما فتحت طهران باب شر أغلقته الرياض.

* كاتب سعودي

m.assaaed@gmail.com

massaaed@