هذه من الكلمات الحجازية القديمة بمعنى «الأجوف» أو المبني على لا شيء. ولكن جذور الكلمة عربية فصحى.. «سبهللا» بمعنى بلا شيء.. يعني «أي كلام». وللأسف نجدها تمارس بطرق مختلفة في العديد من الأمور، وبالذات على المستويات الشخصية. ولكنها تفاجئنا عندما تكون من أسس الأنشطة الدولية، وبالذات في الجغرافيا السياسية التي ترسم الحدود، وتحكم العلاقات بين الدول وتزهق من أجلها الأرواح، والممتلكات، وتدور حولها الصراعات المسلحة التاريخية العنيفة. وإليكم بعض الأمثلة التاريخية العجيبة: بعد الحرب العالمية الثانية تحررت العديد من الدول الآسيوية من الاحتلال الياباني. ودخلت في عالم «الحرب الباردة» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ومن العجائب أنه تم تقسيم بعض من تلك الدول بطرق «سبهلليله»، ومن الأمثلة على ذلك رسم الحدود بين الكوريتين الشمالية والجنوبية. أصبحت الأراضي «الفوقانية» الشمالية للروس، و«التحتانية» الجنوبية للأمريكان. وتم رسم تلك الحدود بطريقة عشوائية للغاية. وتحديداً، قام العقيد الأمريكي الشاب «تشارلز بونيستيل» برسم خط أفقي على خريطة العالم بدءاً من موقع مكتبه في مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة إلى العاصمة الكورية «سيؤول» في شرق آسيا...والملاحظ أن كليهما يقعان على خط العرض 37.5 درجة. وقدر العقيد أن لحماية تلك المدينة الحيوية من القوات الاشتراكية المدعومة من الاتحاد السوفييتي، فلابد من تحريك الخط شمالاً بوضع شوية «تفاريق» ليقع عند مستوى 38 درجة العرض على الخريطة. ومن هنا جاء تكون خط 38 التاريخي الذي يفصل كوريا الجنوبية عن الشمالية. جرة قلم شمع على خريطة العالم من ضابط أمريكي رسمت حدود الدولتين لتصبح من مناطق النزاع الدولية الساخنة جداً. والعالم مليء بهذه الممارسات...جرة قلم هنا لتتكون الحدود والشخصيات الوطنية المختلفة. فضلا تأمل تاريخ باكستان الشرقية والغربية، وفيتنام الشمالية والجنوبية، وبرلين الشرقية والغربية، وعشرات الأمثلة الأخرى.

وهناك ما هو أهم من ذلك ففي 30 نوفمبر 1948 عند إعلان الهدنة بين قوات التحالف العربي من جانب والكيان الصهيوني من جانب آخر، قام العقيد الأردني «عبدالله التل» بتمثيل الجانب العربي وقام قائد القوات الإسرائيلية آنذاك العقيد «موشيه دايان» بتمثيل الجانب الصهيوني. وكان جوهر آلية الهدنة هو العمل على إيجاد الحدود بين الطرفين المتنازعين من خلال رسم تلك الحدود على خريطة. وكانت الخريطة بمقياس 1 إلى 20000.... يعني المليمتر الواحد على الخريطة يمثل عشرين متر على الطبيعة...يعني لا مؤاخذة عرض التاء المربوطة في نهاية هذه الكلمة يمثل ما يعادل طول أربع سيارات «لاند كروزر» على الطبيعة. طبعاً عندما رسم ديان خط الهدنة، وقعت تحته مئات البيوت الفلسطينية، وتم فصل القدس إلى شرقية وغربية....«السبهللة» في أقوى أدوارها. وأصبحت الخريطة من مصادر تاريخ القدس إلى يومنا هذا. فضلا تأمل في الموضوع بجدية وستجد أن لا وجود لقدس شرقية وأخرى غربية، فهي قدس واحدة تاريخياً وعمرانياً.

أمنيـــــة:

من الصعب أن تجد ممارسات دولية تخلو من «السبهللة» بأشكالها وألوانها المختلفة. ويدفع العالم ضريبة تلك الممارسات اليوم في العديد من المستويات سواء كانت دولاً، أو أقاليم، أو مدناً. وبالنسبة للمدن المقدسة بالذات فمن الصعب قبول ذلك لأن كل حجر فيها مهم. أتمنى أن يكفينا الله عز وجل شرور تلك الممارسات العشوائية،

وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي