نستعد هذه الأيام لاستقبال يومنا الوطني 89، وامتلأت حساباتنا الشخصية بالسوشيال ميديا وبيوتنا وشوارعنا باللون الأخضر.. الوطن على الأبواب في ذكراه الـ 89 لنعيش معه مرحلة استعادة الذاكرة منذ النشأة الأولى ونستذكر معه بطولات أجدادنا وأسماء شهدائنا التي لا تغيب عن ذاكرتنا ولا عن سجادة صلاتنا.

كل عواطفنا ستعيش بعد أيام في الجنة الخضراء.. كلنا سنغني للسيفين والنخلة ونتوشح رايات العز والتوحيد.. كلنا سنزف الدنيا باللون الأخضر تعبيراً عن حبنا الوطني الذي فاق كل حب عرفناه.. ولكن هل يكفي هذا لنكون وطنيين؟

بالكاد العاطفة جزء من الوطنية؛ لأن أي فكرة أو منهج لا تدخل فيه العاطفة يخلو من الجانب الإنساني، ولكنها وحدها دون منهجية ستبقى في حيز الشعارات وربما عدم الثبات وستجد من يستغلها ويخطفها إلى تيار آخر بوعي أو دون وعي منا؛ لذلك مفهوم الوطنية يأتي أدق من ذلك.

الوطنية تعني أنك تعيش الوطن كل دقيقة من عمرك كمسؤول عن الالتزام ببناء مجتمعك إنسانياً وتعليمياً وثقافياً ومهنياً وسلوكياً.. أن تلتزم في مصداقيتك مع وظيفتك.. أن تسعى لتحقيق طموحاتك.. أن تلتزم بأخلاقك وإنسانيتك التي درستها في مناهج وطنك.. أن تهتم بأسرتك وترعى رعيتك بما أمرك به دينك وهذبك عليه وطنك.. أن تتزن معادلة الحقوق والواجبات لديك.. أن تمثل وطنك خارج الحدود خير تمثيل في تعاملاتك وقيمك وتلم بكل وسائل المعرفة لتكون درعك في حال باغتتك سهام عدو.. أن تصحو وتغفو وتدرك بأن الوطنية قيم وليست عاطفة لحظوية تتلاشى مع اللحظة.

والوطنية في اعتقادي لا تتعارض مع الفردية ولا أعتبرها تضحية كما رآها هيغل وأعتبر تضحية المرء بفرديته لصالح الدولة أو الحاكم أعظم اختبارٍ للوطنية، الفردية المنسجمة مع الوطنية ليست تضحية إنما مسألة متوازنة بين الحق والواجب من جهة والقيم والمبادئ الخاصة من جهة أخرى.. نحن بوطنيتنا لا نضحي من أجل الهوية المكانية ولا نضحي بالهوية الفردية نحن بوطنيتنا نكون (نحن) وفقط.