«عكاظ» (جدة)
تؤكد سلسلة طويلة ولا منتهية من الشواهد، أن العلاقة بين سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والصدق تقترن بالتضاد والتنافر، إلى الحد الذي هيمن فيه الكذب على كم هائل من تصريحاته وخطبه السياسية، لدرجة أن نجاحاته السياسية وجماهيريته باتت مرتبطة بإتقانه فن الكذب بمختلف أشكاله وأنماطه، ولعل مقولته الشهيرة «السياسة ليست فنا للكذب، وإنما هي فن لإدارة الناس بالصدق والعدل» رداً على المنظمات الحقوقية التي تنتقد تقاريرها انتهاكات نظامه لحقوق الإنسان، تدفعنا لتسليط الضوء على أبرز تصريحاته التي ثبت لاحقاً أنها أكاذيب يطلقها الرئيس التركي لتلميع صورته أمام الشعب التركي.

استقال من عمله رفضاً لحلق لحيته

زعم أردوغان أنه استقال من وظيفته في الثمانينيات رفضًا لإجباره على حلق لحيته، وقال خلال لقاء له أمام عدد من طلاب المدارس: «كنت ملتحيًا وعملت في الثمانينات بمديرية الرياضة في إسطنبول التي ترأسها عقيد بالجيش، وبدأت السلطات تتحرش بأصحاب اللحى، فكان العاملون يحلقون لحاهم، وكنت آخر من تبقى دون حلق لحيته، فاستدعاني العقيد، وخيرني بين حلق اللحية أو الاستقالة فاستقلت»، إلا أن صحيفة تركية نشرت خطاب استقالته المكتوب بخط يده في 18 يونيو 1981، ويؤكد فيه أنه تقدم بالاستقالة بسبب تلقيه عرضًا وظيفيًا أفضل في القطاع الخاص، وقال وفقًا لنص الاستقالة المسببة: «إلى مديرية الرياضة والمرافق الاجتماعية أعمل في قسم الرياضة بالمؤسسة منذ 24 يوليو عام 1974، وأرغب في الاستقالة من المؤسسة اعتبارًا من تاريخ 18 يونيو 1981؛ وذلك لأنني تلقيت عرضًا مغريًا من القطاع الخاص».

يشبه نفسه بالرسول.. وينسى الكذبة

في 2017 ظهر أردوغان في لقاء متلفز يتحدث فيه عن محاولة الانقلاب المزعوم في 2016، قائلًا: «وصلت إلى دالمان فى ولاية موغلا وفوجئت أن الانقلابيين سبقونا، وبحثوا عني داخل طائرتي لكن حدث شيء غريب جدًا، دخلوا طائرتي ثم خرجوا منها وكأنه لا يوجد أحد بداخلها، مثلما حدث مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر الصديق فى غار حراء، وقالوا لا يوجد أحد بداخل الغار ثم انصرفوا، كذلك جاء هؤلاء الانقلابيون إلى طائرتنا ثم غادروا ولم يرونا فيها رغم أنني كنت أمامهم»، ثم في العام 2018 ظهر في لقاء تلفزيوني آخر، ليتحدث مجددًا عن محاولة انقلاب 2016، قائلًا: «لم يجدونا فى مطار موغلا لأن طائرتنا كانت قد تأخرت»، أي أنه فضح كذبته بلسانه.

تأسيس مطار مؤسس منذ 20 عامًا

ومن أكاذيب أردوغان الشهيرة، تلك التي أطلقها خلال خطاب علني أمام آلاف الحضور في يونيو 2018، وزعم خلالها أن حكومته أنشأت مطار مدينة «أديامان»، بينما الحقيقة المثبتة هي أن تاريخ تأسيس المطار يعود إلى عام 1998، أي أنه تأسس قبل 20 عامًا وقبل تأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم بـ4 أعوام على الأقل.

وقبل كذبة تأسيس مطار «أديامان» بأيام قليلة، كان أردوغان قد أطلق كذبة أكبر منها، إذ زعم خلال تجمع انتخابي بمدينة إزمير فى 28 مايو 2018، أن حكومته هي التي أنشأت مطار إزمير المسمى «عدنان مندريس»، إلا أن الحقيقة أن المطار كان قد افتتح رسميًا عام 1987، أي قبل تأسيس حزب أردوغان بنحو 15 عامًا.

كان تلميذًا قبل ولادته

ادعى أردوغان أنه درس فى مدارس حكومية مكتظة خلال «عهد الحزب الواحد» أثناء قيادة حزب الشعب الجمهوري في تركيا، مؤكدًا أن عدد طلاب فصله الدراسي آنذاك كانوا أكثر من 75 طالبًا، ولم يعلم أردوغان أن العهد المذكور (عهد الحزب الواحد) كان قد انقضى منذ عام 1950، أي قبل ولادته في العام 1954 بـ4 سنوات، حيث تم الانتقال منذ نهاية 1950 إلى التعددية الحزبية.

وفّر حافلات للمواطنين منذ ولادته

من الأكاذيب المضحكة التي أطلقها أردوغان، كانت خلال لقاء جماهيري أقيم بمنطقة «أيوب سلطان» في مدينة إسطنبول هذا العام، وزعم خلاله أن الحافلات العامة من فئة مرسيدس طرحت لخدمة الشعب لأول مرة أثناء فترة توليه رئاسة بلدية إسطنبول، لكن بحسب المتحف الذي أقامته إدارة الأنفاق والترام الكهربائي في إسطنبول التي تولي أردوغان رئاسة بلديتها سابقًا وأيضًا السجلات الرسمية، جميعها تؤكد بما لا يدعو للشك بأن حافلات مرسيدس العامة لنقل الركاب انطلقت في شوارع مدينة إسطنبول عام 1955، أي بعد مرور عام على ولادة الرئيس التركي.

لن أسلّم برونسون

وحول قضية القس الأمريكي أندور برونسون الذي اعتقلته السلطات التركية في أواخر 2016، لتهم تتعلق بانتمائه إلى تنظيم «الكيان الموازي» بحسب ادّعاءات القضاء التركي، وطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال قمّة عقدها مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في 2017 بإطلاق سراح القس، وفي يوليو 2018 هدد ترمب تركيا بمواجهة عقوبات كبيرة ما لم تطلق فورًا سراح القس الأمريكي أندرو برونسون، إلا أن الرئيس التركي ظهر في خطاب متلفز عقب التهديد الأمريكي وأقسم أمام أعضاء حزبه: «لا يمكنكم أخذ هذا الإرهابي برونسون ما دام هذا الفقير أردوغان في الحكم»، وفي أقل من أسبوع شكر الرئيس الأمريكي ترمب في تغريدة عبر حسابه في تويتر الرئيس التركي أردوغان على جهوده في إطلاق سراح القس برونسون.

طالب روسيا بالاعتذار.. واعتذر هو

أطلق أردوغان في نوفمبر 2015، سلسلة تصريحات حول تداعيات إسقاط طائرة روسية من طراز طائرة «سوخوي 24» على الحدود السورية-التركية،، وفي حين أكدت موسكو أنها تنتظر اعتذارًا من تركيا أو عرضًا للتعويض عن الأضرار، قال أردوغان في كلمة له أمام مسؤولين محليين بالعاصمة أنقرة: «من عليهم الاعتذار هم من اخترقوا مجالنا الجوي»، مشددًا على أنه لن يعتذر أبدًا، فقامت روسيا على الفور بفرض قيود تجارية على أنقرة، وفي يونيو 2016 أرسل أردوغان خطاب اعتذار إلى الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، جاء فيه: «أريد أن أعبر عن تعاطفي وخالص عزائي لأسرة الطيار الروسي الذي توفي وأقول أنا آسف».

لم أقل إن الهولنديين فلول النازية

وفي مارس 2017 وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حكومة هولندا وشعبها بأنهم «فلول للنازيين والفاشيين» وذلك بعدما سحبت الحكومة الهولندية التصريح بهبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو هناك لدعم مسعى أردوغان لتعزيز سلطاته ضمن التعديلات التي طرحها في استفتاء 2017، وقال أردوغان عن حكومة هولندا في كلمة متلفزة أمام تجمع لمؤيدي حزبه «إنهم جبناء.. إنهم فلول للنازيين والفاشيين»، ولم تمض أيام إلا ويخرج وزير الخارجية التركي على الشاشات ينكر ما قاله أردوغان، مبررًا: «نحن قلنا إنكم تذكروننا ببعض الأشياء في زمن النازية، ولم نتهم الشعب الهولندي أو الحكومة الهولندية بالنازية.. لم نقل هذا»!

سنقطع العلاقة مع إسرائيل

وفي ديسمبر 2017 هدد أردوغان، بقطع العلاقات مع إسرائيل إذا اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لها، وقال أردوغان حينها في خطاب متلفز أمام أعضاء الحزب الحاكم، موجها كلمته إلى الرئيس الأمريكي: «السيد ترمب، القدس خط أحمر بالنسبة للمسلمين»، مضيفًا: «يمكن أن تؤدي بنا هذه القضية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل»، وفي اليوم التالي بتاريخ 6 ديسمبر 2017 اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، وحتى هذا اليوم لم يقطع أردوغان علاقاته المتينة والمتنامية مع إسرائيل.

يؤيد «عاصفة الحزم».. وينسى

أما أحدث تجليات أكاذيب «الأفاك» التي لن تكون الأخيرة بحسب رؤية مراقبين، فهي تكمن في التصريحات الأخيرة التي أطلقها أردوغان خلال مؤتمر صحفي مع نظيريه الإيراني حسن روحاني والروسي فلاديمير بوتين في أنقرة قبل أيام حول الهجوم الإرهابي الإيراني على منشأتين في أرامكو، قائلًا: «علينا التمعّن بكيفية بدء الصراع في اليمن، هذا البلد دُمّر بالكامل، فمن تسبب في ذلك؟»، وأضاف: «بالطبع مع حدوث كل هذا الدمار، بدأ اليمنيون يتخذون استعداداتهم باستمرار، لا نتمنى رؤية مثل هذه التطورات، ولكن مع ذلك علينا التفكير بكيفية إعادة إعمار وإحياء اليمن»، وفقًا لما نقلته وكالة أنباء «الأناضول» التركية الرسمية.

وفيما لم تمض سويعات على تلك التصريحات، حتى أتاه رد قوي من الأمير عبدالرحمن بن مساعد، عبر حسابه على تويتر، بنسخة من تصريحات سابقة للرئيس التركي أردوغان في 2015 تكشف نفاقه واستمراءه الكذب، حيث كان من أوائل المؤيدين لعملية «عاصفة الحزم» التي تقودها المملكة العربية السعودية.