تحقيق: إبراهيم عقيلي  تصوير: عمرو سلام 

* ثقافة «القهوة» زادت من حجم الإقبال عليها

* معاهد عالمية ومحلية تدرب الشباب على تذوق البن

* صانع قهوة دخله الشهري يتجاوز الـ 20 ألف ريال

لم أكن أتوقع قبل مهمتي الأولى التي خضتها في إحدى المقاهي الكبرى في مدينة جدة أن صناعة القهوة وبيعها مهنة لها أصول ومبادئ، ولم يخطر ببالي مرة أنها علم يدرس وله معاهد محلية وعالمية قائمة، وتقام لها مسابقات تجمع العشاق في ساحة المنافسة على أجمل فنجان قهوة. وكل معلوماتي السابقة عن هذا المجال لا تخرج عن «منيو» المقاهي والذي لا أعرف كثيرا من أصنافه. قبل أن أخوض التجربة العملية في عالم القهوة وتحضيرها، لم تخرج أسئلتي عن محور الدخل الشهري للعامل في مقهى راق في أحد شوارع جدة، هل العمل كصانع قهوة في إحدى الكافيهات وظيفة يستطيع الشاب أن يكوّن بها أسرة ويتطلع من خلالها على وظيفة، مع يقيني قبل التجربة بأنها مجرد عمل مؤقت لشاب يدرس في مرحلة جامعية، أو موظف بسيط براتب محدود، يلجأ إلى دخلها كدعم لسد قضاء احتياجات أسرة صغيرة. هذا كل ما كنت أحمله من مفاهيم عن صناعة القهوة، ولا شيء أكثر من ذلك.

بعد محالاوت باءت بالفشل مع عدد من ملاك «الكافيهات»، وافق إبراهيم أبوزيد على استضافتي لخوض تجربة العمل، والوقوف بجوار زملائي «الباريستا»، والذين سيتولون الإشراف على تدريبي. حضرت قبل الموعد المحدد مع المدير، فيما حضر هو على التوقيت المتفق عليه سابقا، لأكتشف خلال المقابلة، بأنه شاب في الخامسة والعشرين من العمر، خريج كلية الهندسة، لم يتزوج بعد، قرر أن لا يركن لسجن الوظيفة ـ على حد وصفه ـ، وأن يفتح مشروعه الأول ويخوض التجربة، مستعينا بشباب سعودي خبير في صناعة القهوة، خاصة وأن له تجربة سابقة في إعداد «الهمبرجر» وعمل فيها لفترة معينة. وقبل أن يجهزني للوقوف على طاولة القهوة، وقبل بدء المهمة تحدث لي عن مشروع صناعة القهوة، مؤكدا أنها صناعة رائجة لاقت إقبال الكثير من الشباب المستثمرين، الأمر الذي دعا المستثمرين إلى فتح الكثير من الكافيهات في مناطق متفرقة من مدينة جدة، فبين كل شارع وآخر، مقهى بطراز حديث. وقال لي أيضا، «أنا سعيد بهذه التجربة» ويؤكد على نجاحها، فالفكرة أن يقيم محلا بطراز حديث وبمفهوم حديث وبأسعار تجذب جميع الفئات.

ليتضح لي من الوهلة الأولى في يوم تدريبي ممتع بأن محل بيع القهوة لم يعد كشكا صغيرا على قارعة الطريق، ولم يعد زبائنها يحتسون ما يجود به الصانع، بل تحولت إلى أصول تدرس، ومبادئ علمية لها أسس ومفاهيم.

ليسمح لي بعد ذلك بالبدء في العمل، مرافقا للباريستا مهند الواحدي. وهنا بدأت التجربة العملية. بدأ حديثنا كصحفي يسأل، وشخص يجيب، وانتهى بمستثمر شاب يقبل موظفا جديدا ليخوض تدريبا مؤقتا يبدأ بعده بالعمل خلف بار المقهى.

التدريب العملي

بدأت مهمة التدريب العملي، قبل السماع لتجارب الشباب، ومن باب خلفي أدخلني مع الباريستا مهند، المشرف الذي سيتولى تدريبي على هذه المهمة، إضافة إلى إشرافه لعدد من الشباب. وبعد دقائق فإذا بي وسط أنابيب ومكائن صورت المكان وكأنه معمل كيميائي، وميزان دقيق يحسب مقدار القهوة المضافة بالمليمتر، وهنا بدأت أستمع لشرح مطول لمكائن إعداد القهوة.

قهوة باردة وأخرى مثلجة وواحدة تعد بطريقة التقطير، وفي ذلك الركن الذي تفوح منه رائحة البن، لم يعد للقهوة التقليدية مكان، فما أراه خلف «البار» حتما يحتاج إلى تدريب عملي وتركيز يومي لإجادة العمل، ونحتسيه في عشر دقائق يأخذ وقتا لاستيعاب طرق الإعداد.

يقول مهند، «إن ثقافة العميل وعشقه للقهوة الحديثة هي من عقدت إعداد القهوة وحولتها من مهنة بسيطة، إلى علم يتطلب تهيئة عملية وعلمية، فكثير من الزبائن الذين يفدون إلينا يسألون عن نوع حبوب القهوة، والدول المصدرة، ونوع الأشجار والفواكه التي زرعت بجوارها القهوة، وذلك للوصول إلى الطعم الذي يطلبه العميل، فهناك أشجار قهوة زرعت بجوار شجرة الفراولة وأخرى المنجا، وغيرها، وذلك يشكل طعم كوب القهوة، فإذا وصل العميل إلى ذلك الحد من المعرفة والبحث عن نكهة معينة، فهو حتما سيعكس مسار صناعتها ويحولها إلى مهنة تتطلب العلم والدراية».

كما تحدث معي عن بداياته في صناعة القهوة ليتحول من مقدم طلبات إلى باريستا حقيقي، يجيد طهي القهوة وصناعة أنواعها المتعددة، «بدأت قبل ثماني سنوات كعامل في إحدى المقاهي، وتطورت على يد أحد العارفين بالمهة، واكتشفت أسرارها، وها أنا الآن أقف في أشهر«كافيهات» جدة مشرفا على عدد من الشباب الطامحين للنجاح في الباريستا».

هل هي وظيفة طموحة؟

قررت أن أخوض تجربتي الأولى في صناعة القهوة وذلك لسببين؛ السبب الرئيسي، لأنها شهدت إقبالا كبيرا من الشباب أخيرا، وغالبية العاملين في مقاهي جدة سعوديون، وصناعتها أصبحت سعودية مئة في المئة، والسبب الثاني هو لأني كنت على يقين بأنها وظيفة عابرة، يتخذها الشباب جسرا لمرحلة البطالة، أو دعما للمرحلة الجامعية وسندا للمكافأة التي تصرفها الجامعات شهريا، لكن العاملين الذين التقيتهم في المهنة أكدوا أنها وظيفة مجزية إذا منحها الشاب قدرا كافيا من الأهمية، وإذا سعى إلى أن تكون مصدر دخله.

الشاب إبراهيم أبو زيد صاحب المقهى، تحدث لي عن بداياته في افتتاح مشروعه، «كنت أبحث عن صانعي قهوة محترفين، لأن القهوة مصدر جذب جيد للزبائن، فكان لا بد أن أبحث عن الأفضل، وقررت أن أمنح رواتب مجزية وأقدم حوافز تجذب الخبراء الشباب إلى مشروعي»، كما قدم ميزة للعاملين الشباب وهي تدريبهم في معاهد متخصصة لتطوير أدواتهم. لتقنع مهند للانضمام إليه، والذي أكد في حديثه السابق معنا أن ذلك سيمنحه فرصة أكبر للحصول على دخل أكبر.

وهل هناك من يعمل في صناعة القهوة ويأخذ راتبا مجزيا؟،

أجابني «نعم، أنا، وغيري من صانعي القهوة الذين أصبحوا مشرفين في مقاه كبرى، فهناك مقاه عالمية تعمل في السوق المحلي تمنح أكثر من 12 ألف ريال شهريا لموظفيها»، ويؤكد أبو زيد، «هناك من تجاوز دخله الشهري 20 ألف ريال».

يكشف لي مهند ذلك في وقت كنت أظن فيه أن هذه الرواتب لا تصرف لمثل هذه المهام والوظائف، فيما كشفت لي التجربة أن كثيرا من الشباب السعودي بات يطمح أن يكون باريستا، لأنه يعرف جيدا أنها مجال لتطوير الذات ومصدر للكسب الجيد، ولأن الشركات العالمية المتخصصة في القهوة والعاملة في السوق المحلي، تقدم رواتب مجزية لهم، فيما تقدم فنادق الخمسة نجوم أضعاف ما تقدمه الكافيهات، بشرط أن يكون الشاب متدربا تدريبا جيدا، وخبيرا في الصنعة، كون زبائنها من النخبة.

عبدالله الغامدي، شاب في العشرين من العمر، أصبح باريستا متخصصا في عامين فقط، خاض تجربة المهنة بعد إكماله لدراسته، وقرر أن يكون صانعا للقهوة، لأن المجال خصب، ولأنه يعرف أسرارها جيدا، وبها رمى العيب خلف ظهره وشق بداية الطريق في عمله الجديد، ويدرك تماما أنه بالعمل اليومي والصبر وتطوير الذات سيصبح يوما باريستا عالميا، وحلمه أن يخضع لتدريب في معاهد متخصصة عالمية، وأن يخوض مسابقات صناعة القهوة والتي تضيف لسيرته العملية خبرة ودراية بالمهنة.

قال لي عبدالله، إنه لم يلتفت في البداية لكلام الناس عندما قرر أن يعمل في محل للقهوة، فهو يدرك تماما أن الناس لا يعرفون جيدا ما هي هذه الصناعة، وكم مدخولها بالنسبة للمستثمر وللموظف، وكل ما يعرفونه فقط أنه عامل في محل، ويقول أيضا، إن المجتمع أصبح أفضل الآن، وإن المجال مفتوح للشباب لخوض ساحات جديدة.

رسم القهوة

ارتبط صناعة القهوة بفنون أخرى، وتطلبت توافر الكثير من المواصفات في الشباب، أصبحت تفرض على العاملين فيها، التدريب الجيد على رسم القلوب والورود على سطح الكوب، بعد أن بات الزبائن يطلبونها برونق جديد، الأمر الذي يفرض على الطاهي تجهيز كوب القهوة وتسخين الفوم على درجة حرارة معينة يكون قريبا من السخونة، ليعطي الرسم شكلا جميلا.

فيما تطلب أنواع أخرى من القهوة معايير محددة أثناء عملية التحميص، وبواسطة فلاتر معينة والاستعانة بالتقطير يصل الباريستا إلى طلب العميل. لذلك تحولت إلى مهنة تستند إلى علوم ومعايير تدرس.

رسم اللاتيه

أصبح رسم اللاتيه جزءا من متطلبات العمل في مهنة «الباريستا»، فلا يمكنك أن تصبح باريستا دون أن تكتسب مهارة الرسم على القهوة، وهو عبارة عن مزيج بين مادتين غرويتين من الكريمة، وهي مادة مستحلبة من زيت القهوة، ومادة «المايكرو فوم» وهي عبارة عن رغوة الحليب. ويتم رسمها بواسطة سكب الحليب في كأس الإسبريسو وينتج عن ذلك تصميم على سطح الكوب، ويمكن أيضا زخرفته بالرسم على الطبقة العليا للرغوة. وهو رسم صعب الصنع بشكل دائم، وصعوبته تكمن في شروطه التي تفرضها طبيعة الإسبريسو والحليب، ولكن جودة الرسم تعود لخبرة الباريستا (صانع القهوة)، وجودة آلة الإسبريسو، إلى جانب أن سكب الحليب المبخر في حد ذاته يصبح آخر تحد لرسام اللاتيه. ويصنف خبراء صناعة القهوة رسم اللاتيه لنوعين رئيسيين؛ الأول السكب الحر، والثاني النقش، فالسكب الحر هو الأكثر شيوعا، إذ يعتمد على رسم القلب، وفيه يكون الكأس مستويا أو مائلا في اتجاه واحد. ويتم سكب الحليب مباشرة في الكأس، لتبدأ الرغوة في الظهور على جانب واحد (بسبب ميلان الكأس)، ويبدأ الباريستا بتحريك الإبريق من جانب إلى جانب بينما يجعل الكأس متساويا. أما النقش، فيتم من خلاله رسم صور الحيوانات والزهور، وتتم تأديتها عن طريق آلات لصنع القهوة، ويؤدى ذلك في مدة أقصر من رسم اللاتيه بالسكب الحر.

من هوالباريستا؟

هو عامل تحضير القهوة، ويسمى رسام القهوة، وهو موظف في المقهى يقوم بمهمة إعداد وتقديم مشروب القهوة بأنواعها كافة.

أصل كلمة «باريستا» إيطالية، وتعني «الساقي»، ذكرا أو أنثى، ويعمل عادة خلف منضدة ويقدم مشروبات مثل الإسبريسو، والمشروبات الساخنة، والعصائر، والوجبات الخفيفة.

5 أساسيات لدراسة الباريستا

- أساسيات إسبريسو وتبخير الحليب

- معايير إسبريسو

- توضيح آلات الإسبريسو والمطاحن

- طريقة نظافة محطة العمل

- أساسيات التقطير