حوار: فيصل الخماش (الدرعية)

* وزير الثقافة.. من رحلة الرمال إلى تحريك السكون

* نحظى بدعم لا محدود من خادم الحرمين وولي العهد

* الأفكار المتطرفة وصلت إلى اليأس والانتحار.. ونجح السعوديون في دحرها

* انطلاق أكاديمية الموسيقى عام 2021.. والسوق غنية بالفرص

* مستمرون في رحلة التمكين وخلق البيئات المحفزة للإبداع الثقافي

* الخروج بمنتج يليق أهم بكثير من عملية الإنتاج السريع على حساب الجودة

* أولى نواة مبادرة «إقامة الفنان» ابتعاث موهبتين سعوديتين إلى فرنسا

* بيوت الثقافة مصدر للإثراء الثقافي وسنعمل على وجودها في كل محافظة

* لسنا حضارة هامشية وتاريخنا يمتد إلى أعماق الحضارة الإنسانية

* في «شتاء طنطورة» كانت فقط البدايات

* سنمضي في رحلتنا التي تؤمن بالانفتاح على العالم مع الاعتزاز بتراثنا



رغم أنه لم يمضِ على إعلانه رؤية وتوجهات وزارة الثقافة سوى أقل من 6 أشهر، إلاّ أن الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود بدّد مقولة أن «مهمته مستحيلة» عند تعيينه أول وزير للوزارة الوليدة، إذ بدا المستحيل «ممكناً»، لكنه صعب وسيمر بمنحنيات عسيرة، كما يراها مثقفون سعوديون.

ففي حقول الثقافة الغارقة بالإحباط والعلاقة المعقّدة بين المثقف السعودي والمؤسسة الثقافية الرسمية عندما كانت تابعة لوزارة الإعلام (قبل الفصل السيامي بينهما بأمر ملكي في منتصف 2018)، نشأ مفهوم عام يشي بعزلة المثقف السعودي عن مؤسساته الثقافة الرسمية، وأخذ الحضور في المناسبات صوراً يعتريها «التوتر» و«التذمر» في أحايين كثيرة.

مشهد معقّد بكل مكوناته المتنافرة بدا يرسخ أكثر مع مرور الوقت. في المقابل، أمير شاب، أخذ يحقق نجاحات كبيرة في الملفات الموكلة إليه، إذ قاد فريقاً حكومياً يترجم رؤية المملكة 2030 في العلا، المحافظة السعودية الموغلة في تاريخ الحضارة البشرية التي عانت عقوداً من الإهمال، وبفترة وجيزة، نجح الفريق بقيادة الأمير المتخصص بالقانون في كسر التابوهات القديمة وأعاد المحافظة التي احتضنت حضارة اللحيانيين ومملكة دادان إلى خارطة التراث العالمي وجهةً سياحيةً غنيةً ومثيرةً للاهتمام.

وأمام المشهدين، بدأت أولى البشارات التي كان ينتظرها المثقفون في يونيو من العام الماضي، أمر ملكي يفصل وزارة الإعلام عن الثقافة لتكون الأخيرة وزارة يحمل حقيبتها الأمير الشاب الذي دلف إلى وزارته من الباب الذي يقع على بعد أمتار قليلة من مسجد الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب في حي البجيري بالدرعية، ومن قلب «البدايات السعودية»، شمّر عن ساعديه بصمت ليبدأ رحلة التطوير بغربلة شاملة لقطاعات الثقافة المترهلة لعقود. وأمام صوم عن الحديث في وسائل الإعلام، تخلله لقاءات جماعية مع مثقفين، حتى في تلك اللقاءات كان الأمير منصتاً ومدوناً لهموم المثقفين ومخاوفهم وآمالهم، (بحسب حضور لتلك اللقاءات). وبشكل حاسم، حددت الوزارة 16 قطاعاً فرعياً ذا أولوية للتركيز عليها في عملها، من بينها قطاعات لم تعتد الأوساط الثقافية اعتبارها ضمن قطاعاتها، كما نصت رؤية وتوجهات الوزارة على استحداث 11 كياناً ثقافياً لتنمية القطاعات الثقافية. وسرعان ما لاحت في أفق القطاع فلسفة الوزير الأول لحقيبة «الثقافة» لتحقيق توجهات وزارته الطموحة. وبدا الوزير المنهمك في ملفاته الكثيرة قليل الظهور إعلامياً، إلا أنه بعد مرور نحو 6 أشهر على آخر حوار صحفي له مع الزميلة «الشرق الأوسط»، وافق على إجراء لقاءٍ صحفي مع «عكاظ»، فكان حواراً بلا سقف ولا حدود، فإليكم نصّه:

• الوزارة أطلقت وعوداً كبيرة في نهاية مارس الماضي استبشر بها القطاع الثقافي. أين تقفون اليوم في طريق تحقيقها؟

•• شكراً لكم على الاستضافة. طيلة الشهور الماضية عملت وزارة الثقافة على مأسسة المبادرات الـ27 التي أطلقناها في أواخر مارس الماضي، وأسعى مع زملائي على تحقيق تطلعات قيادتنا الرشيدة، فسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، يقدمان دعماً منقطع النظير للقطاع الثقافي.

كما عملت الوزارة على استقطاب كفاءات من أبناء المملكة لإدارة تلك المبادرات، من منطلق التزامنا بأن أبناء الوطن لهم الأولوية الكاملة في فرص بناء القطاع وتطويره، فهم رهان نجاحها، وكما رأيتم يجري العمل على قدم وساق للخروج بما يليق بمكانة المملكة وثقافتها، ومستمرون في رحلة التمكين وخلق البيئات المحفزة للإبداع الثقافي.

• ولكن لماذا أخذتْ هذه المبادرات كل هذا الوقت؟ هل كان الإعلان عنها مبكراً أكثر من اللازم؟

•• أبداً، في الوزارة يعمل زملائي على خطوط متوازية لكل المبادرات الـ27 والكيانات الـ11 والقطاعات الـ16، التي أعلنتها الوزارة في مارس الماضي. ثمة وزارة جديدة وفريق طموح ومشاريع خلاقة، ونستلهم في طريق إنجاز تلك المبادرات الكبيرة رؤية المملكة 2030 وعرابها سمو سيدي ولي العهد في العمل على أهداف عدة في وقت واحد. نهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق أهداف رؤية وتوجهات الوزارة من أجل الوصول بالثقافة إلى كونها نمط حياة ومعززة للنمو الاقتصادي ولمكانة المملكة دولياً. صحيح أنها أهداف كبيرة، ولكن بالعمل الجاد والدؤوب سنصل إليها.

ولا تنسَ أن عملية تأسيس البنى التحتية للقطاع الثقافي تتطلب دراسة وهيكلة شاملتين تتناولان كافة الجوانب والتفاصيل، وتفاصيل التفاصيل.

كما أن تطوير العمل الثقافي بقطاعاته المتنوعة يحتاج إلى نفس طويل وصبر حتى يتسنى لنا قطف حصاد مميز يليق بمكانة المملكة وتاريخها وثقافتها العريقة، كون العملية تبدأ بالغرس من الصغر في القطاعات الثقافية كالموسيقى والمسرح؛ لذا نركز بشكل مكثف على التعليم، التعليم ثم التعليم ثم التعليم، هو أساس أي مشروع ثقافي.

والخروج بمنتج يليق، أهم بكثير من عملية الإنتاج السريع على حساب الجودة. ورغم ذلك إلا أن جهود زملائي في الوزارة ظهرت على العديد من المبادرات والقطاعات، والتزمنا في الوزارة منذ اليوم الأول بمشاركة المثقفين والمبدعين ما يتم إنجازه، كونهم الشركاء الأساسيين للنجاح ورأسمال القطاع الثقافي، كما أننا نجري مناقشات مستمرة مع المتخصصين في العديد من القطاعات، ونؤمن في الوزارة بأهمية إشراك الخبرات الثقافية السعودية الغنية بالإبداع والإنتاج المعرفي.

• أعلنتم أكاديميات الفنون في مجالين، هما: التراث (الفنون التقليدية والحرف)، والموسيقى، لماذا بدأتم بهما؟

•• قامت وزارة الثقافة عن طريق هذه المبادرة بدراسة السوق المحلية من حيث البرامج التعليمية والتدريبية الحالية والمتوقعة حتى 2030، إضافة إلى دراسة الطلب المتوقع من فرص العمل حتى عام 2030 وفق تطلعات ومشاريع ومبادرات الرؤية وإستراتيجية الوزارة. والدراسة أكدت الملاحظات التي تلقتها الوزارة من المثقفين والمهتمين من خلال اللقاءات المستمرة أو عبر وسائل التواصل المختلفة بخصوص الحاجة إلى بناء القدرات في القطاع مع التحديد الدقيق لأوجه الحاجة، إذ تصدر القائمة على سبيل المثال مجال الموسيقى لعدم وجود أكاديميات أو معاهد تقدم برامج تعليمية مرخصة وشهادات معتمدة لتعليم الموسيقى، في مقابل طلب عالٍ.

• أكاديمية «الفنون التقليدية» ماذا تعني تحديداً؟ وهل تشمل الفنون التشكيلية أو الجميلة؟ أم هي خاصة بالحرف فقط؟

•• تعليم الفنون بوصفها الحديث موجود في الجامعات السعودية والغربية، أي أن تعليم الفنون بوصفها هذا بدأ في السعودية في ستينات القرن الميلادي الماضي من خلال معهد التربية الفنية السابق أو عن طريق الابتعاث لرواد الفن السعودي، ويوجد عدد من الجامعات السعودية لديها أقسام للتربية الفنية أو للفنون البصرية والتصميم، لكن في هذه الأكاديمية ستحرص الوزارة على تطوير فنوننا وعلى سد حاجة السوق الحالية؛ لذا ستركز أولى الأكاديميات على الفنون التقليدية وعلى الهوية الوطنية السعودية كأول أكاديمية من نوعها، فنحن نملك إرثاً ثقافياً وفنياً ممتداً لآلاف السنوات في مجالات الفنون المتنوعة والآثار التي نفخر بها والتي خرجت من المواقع العظيمة في السعودية مثل العلا والفاو وثاج، أو تلك الرسوم الصخرية في جبة وآبار حمى. تلك الآثار والفنون دليل ملموس على عمق ممارستنا للفنون.

وستدعم الأكاديمية العمل الفني السعودي سواء أكان فناً محلياً أو حرفة أو فنون أداء تقليدية تحتاج إلى محافظة أو تطوير لتكون منتجاً فنياً سعودياً قابلاً للتسويق في المنصات الدولية، كما سيقوم المعهد بإعادة إحياء تعليم الخط العربي بنمط ممنهج، وهو الفن الذي يعتبر أحد أهم الفنون في ثقافتنا وتاريخنا ومنبعه هذه الأرض الطيبة.

وسيعمل زملائي على إثراء وتعزيز مستوى وجودة الفنون التقليدية السعودية ورفع الوعي العام وتعزيز الثقافة وطنياً ودولياً بهذه الفنون المحلية من خلال توفير برامج تعليمية مميزة في مجالات ثقافية عدة متنوعة نطور ونحافظ فيها على التراث المادي وغير المادي.

• لماذا الموسيقى الآن؟

•• أكدت الدراسة - كما ذكرت - الحاجة العالية لتأهيل متخصصين لسد الحاجة في فرص العمل الحالية والمستقبلية، ولا ننسى أن الأغنية السعودية تجاوز مدى تأثيرها وانتشارها النطاق المحلي، ووصلت إلى المستمع العربي، وكذلك العالمي. وفي المملكة لدينا نماذج شقت طريقها وبرزت وأبرزت الفن السعودي الغنائي والموسيقي خلال السنوات السابقة بجهودهم، وفي أحايين كثيرة من خلال العمل في مدن خارج السعودية. لقد آن الأوان لنضع منصة بناء قدرات محلية للمواهب المبدعة في هذا المجال، سواء أكان من خلال العزف أو الغناء أو الأدوار الأخرى المكملة لقطاع الموسيقى، إضافة إلى تطوير الموروث المحلي من فنون الأداء كالألوان الفلكلورية المتنوعة والغنية في بلادنا.

• ما الهدف الأساس لوزارة الثقافة من تبنّي «أكاديميات الفنون»؟

•• التأكيد على رسالة الوزارة في تمكين وتشجيع القطاع الثقافي السعودي، وأهم مقوماته الاستثمار في بناء القدرات في القطاع الثقافي والفنون، نريد أن يكون المنتج الثقافي السعودي مشبعاً بالهوية ويعكس ثقافتنا، كما نريد أن نخلق فرص عمل للمبدعين في كافة مجالات الفنون للمساهمة في البناء الحضاري والثقافي للوطن.

• ما الفئات العمرية التي ستستقطبها تلك الأكاديميات؟

•• التعليم والتدريب في مجالات الفنون لا سقف له، ستوفر الأكاديميات تعليماً يناسب الكثير من الفئات، بطبيعة الحال سيكون للشباب من خريجي وخريجات المرحلة الثانوية النصيب الأكبر، لكن لأن تعلم الفنون يعتمد على الموهبة والهواية في بعض الأحيان، ونظراً لتأثير تعليم الفنون في جوانب إثرائية ومهارية متعددة، سنحرص على توفير فرص تعليم مستمر وبرامج تدريبية قصيرة المدى لجميع الفئات العمرية.

• في حال تبنّي وزارة الثقافة لأكاديميات في الفنون المختلفة، ما دور الجهات الأخرى المعنية؟ وما دور الجامعات السعودية؟

•• نؤمن في وزارة الثقافة أن الحل ليس بيد الوزارة وحدها، وإنما بالعمل التكاملي مع الوزارات المختلفة المعنية ببناء القدرات وتوفير فرص العمل بأشكالها المختلفة، ومنها التعليم والعمل والخدمة المدنية والتجارة والاستثمار وجهات أخرى؛ لذا فإن مسؤولية دعم بناء القدرات، وتمكين الخريجين من أداء مهماتهم عبر وظائف وفرص عمل مناسبة في القطاعات المعنية، أو من خلال تمكينهم من إنشاء مشاريع وأعمال تدعم القطاع، مشتركة.

ومنذ اليوم الأول أعلنت الوزارة أنها ستعمل بنهج تشاركي مع الجميع، وستعمل مع الوزارات لمتابعة هذا الهدف الإستراتيجي، وفي الوقت ذاته ندعو الجامعات الحكومية والخاصة للبدء في برامج نوعية تدعم القطاعات الثقافية وتسد ثغرة حاجة السوق بالمخرجات ذات الجودة العالية أو لموائمة برامجها الحالية وتطويرها وفق تطلعات الرؤية في القطاع الثقافي، وستسعد وزارة الثقافة بالتواصل معهم وتقديم كل المساعدة لهم في حدود اختصاصاتها ومهماتها.

• التعليم في القطاع الثقافي ليس بالأمر الجديد، فهناك خريجون وبرامج تعليمية، ما الجديد الذي ستقدمه أكاديميات الفنون في وزارة الثقافة؟

•• كما ذكرت سابقاً، نعلم أن هناك تاريخاً لتعليم المجالات الثقافية والفنون في السعودية، هدفنا من خلال إنشاء أكاديميات الفنون التي ستعمل عليها وزارة الثقافة بالتعاون مع برنامج جودة الحياة: تعليم متمايز وعالمي بالشراكة مع الخبراء المحليين والخبرات الدولية. الأكيد أن الأكاديميات ملتزمة بتعليم يحافظ على الهوية السعودية ويطور المُبْدِع والمُنْتَج الإبداعي السعودي.

• متى سنشهد ابتعاثاً موسعاً في المجالات الثقافية؟ فالابتعاث كان وراء العديد من الإنتاجات الثقافية والإبداعية السعودية في العقود الماضية؟

•• نضع الآن اللمسات الأخيرة لأهداف مبادرة الابتعاث الثفافي، وهي تركز على الابتعاث النوعي للتخصصات الثقافية، ودعم المواهب الواعدة. ولكن في الوقت نفسه بدأت الوزارة بتنفيذ مبادرة أخرى، مبادرة «إقامة الفنان» التي كانت قد أطلقتها الوزارة مع حزمة من المبادرات في مارس المنصرم، وجزء من أهداف المبادرة توفير فرص التدريب وتبادل الخبرات بين الفنانين السعوديين ونظرائهم الدوليين داخل وخارج المملكة.

وستبدأ الوزارة نشاط المبادرة بإرسال فنانتين إلى فرنسا نهاية شهر سبتمبر الجاري للبدء في دراسة الفنون المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في مدرسة لوفغنوي في مدينة توركوان بفرنسا.

كما تواصلت الوزارة مع عدد من أفضل البرامج التدريبية والتعليمية في العالم لاختيار ما يناسب رؤيتها وتوجهاتها.

كما أن اتفاقية التعاون بين الوزارة ومدرسة لوفغنوي تقضي بإرسال فنانين من عام 2019 وحتى عام 2021 للدراسة فيها، على أن تنهي كل مجموعة دراستها في سنتين. وسيحصل كل فنان على شهادة علمية موازية للماجستير تحت اسم شهادة مدرسة لوفنغوي.

وستقوم وزارة الثقافة في سياق مبادرة «إقامة الفنان» بإرسال فنانين آخرين لمدارس عالمية أخرى للدراسة والتدريب في مجال الذكاء الاصطناعي وغيرها في برامج علمية تمتد لستة أسابيع، هذا فقط بدايات العمل في مبادرة «إقامة الفنان».

• عينتم رئيساً للفرقة الوطنية للموسيقى في أبريل الماضي. لماذا لم تظهر ملامحها حتى الآن؟ وبالمناسبة ما ملامحها؟

•• منذ تأسيس الفرقة كان الهدف أن تكون مؤهلة أكاديمياً من حيث دراسة قواعد الموسيقى النظرية والعملية تحت إشراف متخصصين، ما سيفتح الطريق أمام الراغبين لدراسة الموسيقى؛ ليكونوا مؤهلين أكاديمياً وقادرين على التعامل مع المناهج العربية والعالمية.

وكان لا بد من وضع المنهج الذي يتناسب مع متطلبات الفرقة، وهذا ما تم. وضع الزملاء المناهج الدراسية وفق الخطط الإستراتيجية لبناء قدرات العازفين. صحيح أن الفرقة لم تظهر إلى العلن حتى الآن، ولكن ملامحها تشكلت بعد دراسة مستفيضة، والمهم أن المبادرة ستكون الواجهة العالمية لتقديم الأعمال الموسيقية السعودية، إلى جانب تمثيل المملكة في المحافل الدولية والمهرجانات.

• في اليوم ذاته، أعلنتم تعيين رئيس للفرقة الوطنية للمسرح، كيف ترون المسرح في ظل شكاوى المهتمين من إغفال المسرح وعدم الاهتمام به؟

•• المسرح «أبو الفنون»؛ لذلك فهو جزء أساسي في الخطة الإستراتيجية للوزارة، وقد كان المسرح السعودي يعمل طيلة الـ 40 عاماً تقريباً من دون بنية تحتية محترفة، ومن دون خطة وأهداف إستراتيجية لتطويره والعناية به رغم الجهود الكبيرة التي بذلها المسرحيون السعوديون، ولا تنسَ أن الفرقة الوطنية للمسرح مبادرة ضمن الحزمة الأولى من المبادرات الثقافية.

ولأهمية المسرح، حددت الوزارة «المسرح والفنون الأدائية ضمن قطاعاتها الـ 16 التي ستركز عليها جهودها وأنشطتها، وكل ذلك يصب في تطوير العمل والثقافة المسرحية وتقديم عروض مسرحية سعودية متطورة تليق بطموح المجتمع السعودي والمسرحيين السعوديين على السواء، وتساهم مع المبادرات الأخرى في تعزيز دور المواهب السعودية وتحقيق جودة الحياة ضمن رؤية المملكة.

ويجري العمل حالياً في المبادرة على إعداد التصورات والخطط التنفيذية لعملها، وتوفير الكوادر المتخصصة لها لبدء إنتاجها في 2020. ونسعى إلى أن تكون الفرقة الوطنية منطلقاً للعمل المسرحي المحترف الذي يجسد ثقافة وتاريخ وإبداع السعوديين.

• شكرتم وزير الحرس الوطني على ما قدمته وزارته طيلة الـ 35 عاماً في مهرجان التراث الوطني (الجنادرية)، واليوم المهرجان في عهدة «الثقافة»، ماذا ستقدم الوزارة؟

•• الشكر لا يكفي الزملاء في وزارة الحرس الوطني وعلى رأسهم أخي الأمير عبدالله بن بندر بن عبدالعزيز آل سعود. ووزارة الثقافة ستواصل النجاحات السابقة، وستضفي ما يليق بالمهرجان التراثي الكبير الذي ظلّ لعقودٍ من أهم المهرجانات الثقافية في المنطقة. نعي مكتسبات الجنادرية، وما تمثله في وجدان السعوديين، ما سيضاعف مسؤولية الوزارة في تقديم ما يليق بهذا الإرث.

عقدت الوزارة ورشة عمل مع مسؤولين من وزارة الحرس الوطني وخبراء ومختصين؛ لمناقشة تحسينه وتطويره، كما أن العمل جارٍ على قدم وساق للاستعداد لانطلاق المهرجان.

• كان «شتاء طنطورة» حدثاً استثنائياً، وكما يقال «صنعتم الدهشة هناك»، هل سنرى مفاجآت في «الجنادرية»على غرار ما قدمتموه في العلا؟

•• في «شتاء طنطورة» كانت فقط البدايات، وفي «الجنادرية» نسعى إلى تقديم نقلة نوعية تليق بالحدث التراثي والثقافي الضخم. لن أقدم وعوداً، ولكن موعدنا النسخة القادمة للمهرجان، سنركز حالياً على إثراء تجربة الزائر من خلال المحتوى الثقافي. ووضع الزملاء في «الثقافة» خطة إستراتيجية تحسينية لمدة 3 سنوات قادمة بهدف وضع «الجنادرية» على خارطة أهم الوجهات السياحية.

• معرض الرياض الدولي للكتاب عادةً ما يكون محل ترقب داخل المملكة وخارجها، ما الذي ستضيفه الوزارة، وما سر الإعلان المبكر عنه، وتغيير موعده؟

•• مكانة معرض الرياض الدولي للكتاب مرموقة بين المعارض العربية، إذ يحتل المرتبة الأولى عربياً من حيث المبيعات، ولأن طموح قيادتنا يعانق «عنان السماء»، فإن الهدف هو تعزيز مكانة المعرض دولياً.

معارض الكتب من مكونات صناعة النشر والمعلومات، وجاء الإعلان المبكر عن المعرض لضمان تحقيق أهدافه المتمثلة في أن يكون مكاناً يجمع العاملين والمهتمين والخبراء والوكلاء التجاريين بقطاع صناعة النشر والمعلومات (تقليدي/‏ رقمي) والمؤلفين والمنتجين. إضافة إلى دوره كمنصة للشركات والمؤسسات والأفراد العاملين والمهتمين بقطاع صناعة المعلومات والنشر لعرض منتجاتهم وخدماتهم.

إضافة إلى الدور التقليدي في تعزيز وتنمية العادات والمهارات القرائية للمجتمع، وزيادة الوعي المعرفي والثقافي والأدبي والفني بتحفيز الأفراد على زيارة معارض الكتب للاطلاع واقتناء المصنفات الثقافية والأدبية والتعليمية، وحضور المؤتمرات وورش العمل والندوات والمحاضرات الثقافية والأدبية والفنية والمبادرات المصاحبة للمعرض.

ولتغيير موعد المعرض أكثر من سبب أهمها مصادفته لمعارض دولية مصنفة ضمن أفضل 10 معارض عالمياً كمعرض لندن وباريس.

• أعلنتم دار نشر سعودية، وثمة خشية في العالم العربي من مزاحمة الدار التي تقف خلفها وزارة لدولة عضو في مجموعة العشرين. هل تحتمل دور النشر العربية منافسة الدار الجديدة؟

•• دار النشر التي تعمل الوزارة على تأسيسها هي مشروع غير ربحي، وهو مشروع مسبوق محلياً بتجارب عديدة مثل دارة الملك عبدالعزيز والعديد من الجهات الحكومية. وكل هذه التجارب لم تؤثر سلباً على الناشر في القطاع الخاص.

كما أن استعراض المشروعات المماثلة عربياً يظهر أنها كانت داعماً لقطاع الكتاب والنشر في بلدانها؛ مثل الهيئة المصرية للكتاب والمركز القومي للترجمة، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وهيئة أبوظبي للتراث والسياحة وغيرها.

ويهدف المشروع إلى دعم الأضلاع الثلاثة للقطاع: (القارئ والمؤلف والناشر). هذه الدار لن تدخل إلى السوق لتنافس، وإنما لتقودها إلى وضع أفضل مما يتوفر لأضلاعه الثلاثة اليوم.

الدار التي ستجمع بين النشر والتوزيع، هي إحدى أدوات وزارة الثقافة لتوسيع نطاق القراءة ودعم تنوع خيارات القارئ، وتعزيز فرص المؤلف على المستويين الأدبي والمادي أيضاً، ورفع درجة انتشار إنتاج الناشرين وفق معادلة اقتصادية أفضل مما يتوفر لهم اليوم. فضلاً عن جمعها بين الخطين التقليدي والحديث في نشر الكتاب السعودي ضمن أفق دولي.

• حملت توصيات مؤتمر الأدباء في سنوات عدة أحلاماً، وتبدو أنها في متناول الأيدي مع إعلان مبادرة «التفرغ الثقافي»، ما الهدف من هذه المبادرة؟

•• أعمل مع الزملاء في المبادرة منح المثقف والمبدع سواءً كان مستقلاً أو بالاشتراك مع غيره تفرغاً ثقافياً لمدة محددة، بغرض إنجاز مشروع ثقافي في أحد المجالات الثقافية التي تحددها اللائحة التنظيمية، ونستهدف من خلال هذه المبادرة دعم الحركة الثقافية والإبداعية في مجالات الآداب والفنون والدراسات الإنسانية وغيرها، إضافة إلى رعاية المبدع السعودي بمنحه الفرصة الكاملة لمواصلة الإنتاج والتميز. وتعمل الوزارة حالياً مع الجهات ذات العلاقة على إصدار ومواءمة الأنظمة بما يحقق مستهدفات الوزارة الرئيسية.

• تعملون على تأسيس سجل وطني للأعمال الفنية، تبدو الفكرة مدهشة، ماذا تريدون منها؟

•• منذ عقود، تدعم الجهات الحكومية القطاع الفني بشراء أعمال فنية، ولا يوجد سجل يحفظ هذه الأعمال ويوثقها من الضياع وفقدان معلوماتها إذ تشكل إرثاً ثقافياً. وبهذا السجل الذي تفضل مجلس الوزراء على التوجيه بإعداده ليكون قاعدة بيانات متكاملة للأعمال الفنية، إضافة إلى كونه حافظاً وموثقاً لتلك الأعمال، سيكون منطلقاً للتعريف بها، وتسهيل الوصول إليها من قبل الدارسين والباحثين، ولولا دعم القيادة الرشيدة لكانت مهمتنا صعبة.

• أعلنتم مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، هل سنشهد عصراً جديداً للسينما السعودية الوليدة؟

•• من خلال هذا المهرجان نهدف إلى خلق قطاع سعودي مبهر ومنافس، فلدينا مبدعون سعوديون يستطيعون المنافسة دولياً، وآخرها، إعلان اسم المخرجة السعودية هيفاء المنصور ضمن الأسماء المنافسة في مسابقة مهرجان فينيسيا الدولي للسينما في إيطاليا، وكذلك فوز فيلم المخرجة السعودية شهد أمين بجائزة «فيرونا» للفيلم الأكثر إبداعا في أسبوع النقاد في المهرجان نفسه، ما يعد دليلاً واضحاً أن بلادنا الحبيبة تزخر بالمبدعين، فمن خلال المهرجان، ومن خلال معمل البحر الأحمر للأفلام، فإن المهرجان سيخلق فرصاً ثقافية ووظيفية واقتصادية تعود بالنفع على المملكة.

• احتفيتم بوصول المخرجة السعودية هيفاء المنصور لمهرجان عريق مثل فينيسيا ممثلةً للسينما السعودية، هل ستدعم الوزارة صناع الأفلام السعوديين؟

•• لدينا تجارب لافتة ومدهشة في صناعة الأفلام، رغم غياب السينما عن المملكة لفترة طويلة، ما يثبت قدرة السعوديين على الإبداع تحت كل الظروف، كما أن التجارب السعودية وصلت إلى محافل دولية. صحيح أن عمر تجربتنا في صناعة الأفلام قصير مقارنة بالتجارب الدولية، إلاّ أن نتاجها مشجع، ومع الوقت ستكون على قدر أعلى من التنافسية. وأنا شخصياً متفائل جداً بما سيقدمه المبدعون السعوديون. وفي لقاءاتي مع المهتمين بصناعة الأفلام والخبراء الدوليين عادة ما أدعوهم لمشاهدة التجارب السعودية. ولكن هل سندعمهم؟ بالتأكيد وسنشجعهم وسنعمل معهم على خلق مناخات واسعة لإبداعهم.

والأمر ينطبق على دعم الفنون السعودية بأشكالها كافة لتسهيل مشاركتها في المعارض الخارجية، إذ دعمت الوزارة فنانين سعوديين في بينالي «بينالسور» للفن المعاصر، وفي الدورة 58 لمهرجان البندقية للفنون (بينالي البندقية)، وفي معرض «الذكاء الاصطناعي والحوار بين الثقافات» بمتحف «هيرميتاج» في روسيا. سنمد أيدينا لكل مبدع. وكما أكرر دائماً الوزارة مشرعة أبوابها لشركائها ورأسمال عملها، وأعني هنا المثقفين والفنانين السعوديين.

• المكتبات.. لا تزال في عهدة الإعلام، أليس من المهم أن يتم نقلها إلى الثقافة؟

•• نظرتنا إلى المكتبة ليست تقليدية، نسعى إلى تحويلها لأسلوب حياة ونمط ترفيهي ومعرفي يجد الإنسان فيها متعة القراءة والمعرفة عبر الفعاليات الثقافية المتنوعة، فهي العمود الفقري للثقافة، كما أنها الذاكرة التي لا تشيخ ومخزن الثقافة. وبعد الأمر الملكي الكريم بإنشاء وزارة الثقافة تم تشكيل لجنة لدراسة أنسب جهة للإشراف على المكتبات، وتمت الاجتماعات بناء على ذلك، وبعد تدشين الوزارة لرؤيتها ضمت قطاع المكتبات وبدأت مباشرة في العمل على تطوير القطاع وتأهيله، وتم الانتهاء من رؤية وأهداف وأحجام المكتبات ومؤامتها مع مبادرة «بيوت الثقافة»، إضافة الى التصاميم الهندسية والمتطلبات التقنية، وستكون المكتبات - بإذن الله - علامة فارقة باعتبارها من أهم مقومات نطاق عمل الوزارة، ومطلب أفراد المجتمع كونها بوابة للمعرفة ومكاناً للمتعة الثقافية.

• ما ملامح بيوت الثقافة؟

•• بيوت الثقافة منصة عامة تديرها وزارة الثقافة لتقديم الأنشطة الثقافية والفنية ودعم المبدعين، وتأهيل الموهوبين، وتوفير خيارات ثقافية متنوعة للمجتمع، بما يحقق تطلعات الوزارة ومستهدفاتها، إذ تكون بيوت الثقافة مصدراً للإثراء الثقافي لمختلف فئات المجتمع عبر تكوين مجتمع متفاعل مع النشاط الثقافي متذوق للآداب والفنون.

ونهدف من خلال هذه البيوت لخلق بيئة قادرة على تقديم الأنشطة المتنوعة، ودعم المبدعين وتشجيعهم عملياً على المنافسة والابتكار، ورعاية الموهوبين ووضع الخطط والبرامج لتأهيلهم وتنمية إمكاناتهم، وتحفيز الأفراد والكيانات على الاستثمار في القطاع الثقافي، ونهدف - أيضاً -إلى الوصول إلى أن يكون هناك بيت للثقافة في كل محافظة من محافظات بلادنا.

• يدور الحديث حول إلغاء «الأندية الأدبية» و«الجمعية السعودية للثقافة والفنون»، ما مستقبلهما؟

•• من أهم أهدف الوزارة هو تطوير القطاع الثقافي، وأحد أهم هذه الأهداف هو إعادة هيكلة هذه الأندية إضافة للجمعية، كما تؤمن الوزارة بدور مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع غير الربحي، في دفع عجلة التنمية الثقافية، ونشر ثقافة المشاركة المجتمعية والمتخصصة؛ لذلك تعمل الوزارة على دراسة وضع هذه المؤسسات والتحفيز على تأسيس جمعيات ثقافية متخصصة بالتنسيق مع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية.

وستعمل الوزارة على تكوين جمعيات مركزية متخصصة في القطاعات الـ 16 التي ترعاها الوزارة، إضافة إلى تشجيع المثقفين والمبدعين في كافة المناطق على تكوين جمعيات متخصصة بحسب اهتماماتهم وفق نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الصادر بمرسوم ملكي والذي ترعاه وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وبالتنسيق مع وزارة الثقافة، وهذا سيحقق شمولية وزيادة في الإنتاج الثقافي التطوعي وزيادة عدد مؤسسات المجتمع المدني، ونرى أن هذا النظام يستطيع أن يستوعب هذه الأنشطة ويكون بديلاً للأنظمة المعمول بها في الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون وبقية الجمعيات، بل إن الجمعيات الجديدة ستكون استمراراً لها وستتبنى ما حققته من منجزات طوال السنوات الماضية، كما أنه سيساعد على إحياء الجمعيات التي صدرت لها تراخيص ولم تتمكن من العمل بشكل فاعل حتى الآن.• ألتقيتم بالمثقفين مرات عدة، كيف ترون جدوى هذه اللقاءات؟

•• المثقفون رأسمال وزارة الثقافة، وهم وقود نجاحاتها، وحرصت على معرفة احتياجات القطاع من المثقفين أنفسهم، عبر لقاءات دورية شبه منتظمة، وتأخذ الطابع العملي. وأكدت على الزملاء أن تكون هذه الأسماء متنوعة ومتجددة، في كل لقاء حتى أستطيع أن أتناقش مع المثقفين وجهاً لوجه؛ لمعرفة احتياجاتهم. وهذه اللقاءات - كما قلت سابقاً- مستمرة ودورية بكل تأكيد، فعملنا يحتاج دائماً إلى المواءمة مع المبدعين؛ كي نحقق رؤية 2030، فأنا مؤمن بالعمل التشاركي، لإنجاز الأهداف المنوطة بالقطاع الثقافي. والجميع محل ترحيب في إثراء رحلتنا الثقافية وتأسيس بنيتها التحتية وستتكرر هذه اللقاءات مثلما ذكرت سالفاً بشكل دوري وبأسماء متجددة، حتى نصل إلى أكبر قدر ممكن من البحث والنقاش. كما أؤكد مجدداً أن أبواب الوزارة مشرعة للمثقفين والمبدعين، والاستماع إليهم وتدوين ملاحظاتهم وخلق بيئة محفزة لإبداعهم من صميم عمل الوزارة.

• استغرب مثقفون من إدراج الطهي والأزياء ضمن قطاعات الوزارة، كيف ترون تحفظ البعض على هذه الخطوة؟

•• كما تعلم أن تعريف الثقافة واسع جداً، فهناك من يحصره في نطاقات معرفية لا تتجاوز اللغة وإنتاجها، وهناك من يشرع أبوابه إلى أوسع مدى كالتقاليد والممارسات والسلوكيات. وفي الوزارة جعلنا التعريف العالمي المتفق عليه في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) منطلقاً وأساساً لبناء هذا القطاع، فنحنُ مملكة زاخرة بالثقافة، سواءً المادية منها أو غير المادية؛ لذلك كانت الأزياء والطهي قطاعات ثقافية مهمة شاركت في صياغة المنتج الثقافي السعودي المتنوع والثري، فعند زيارتك لبلدٍ ما تسأل عادة عن اللباس التقليدي والمأكولات الشعبية حتى يتسنى لك إضافة تصور إضافي عن ثقافته. فرؤية الوزارة أن تحقق الهدف المنشود بالتعريف بثقافتنا العريقة من خلال القطاعات الـ 16، وماضون إلى تحقيقها في ظل دعم قيادتنا واهتمامها الكبير بالثقافة.

• في السنوات الماضية كانت جدة التاريخية تئن تحت وطأة النسيان، وشهدت أخيراً تطوراً لافتاً، إذ في أشهر يسيرة تغيرت الصورة. كيف ترون جدة التاريخية بعد تولي الوزارة دفة قيادة تطويرها؟

•• في رمضان الماضي تكفل سمو سيدي ولي العهد بترميم 56 مبنى تاريخياً آيلاً للسقوط، وهذا كرم ودعم منقطع النظير من سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان. كما أنه قد تكفل أيضاً بترميم قصر الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في حي الشمسية القريب من حي المربع بالرياض على نفقته الخاصة، والذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1354 للهجرة، وهو القصر الذي بناه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- للأمير سعود بن عبدالعزيز بن فيصل الكبير، وأخته الأميرة نورة بنت عبدالرحمن الفيصل آل سعود.

صدقني أن القطاع الثقافي والتراثي في المملكة يعيش أزهى عصوره، في ظل دعم لا محدود من القيادة الرشيدة. ويمكنني القول إن القطاع الثقافي على موعد مع مستقبل أكثر ازدهاراً بدعم من سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد. وعندما يكون تعزيز ودعم الثقافة ضمن أولويات رأس الهرم في المملكة، فنحن نجني ثمار العطاء.

وبالعودة إلى جدة التاريخية فإنها إرث ثقافي يجب المحافظة عليه، وتطويره، والعناية به، كما أنها أحد المواقع السعودية المدرجة في قائمة التراث العالمي، فهي جوهرة في جبين البحر الأحمر تزهو بالمعالم التاريخية والثقافية، بعضها يعود إلى 1400 عام مضت بالحجر المنقبي والطين البحري والأخشاب، ونهدف بالعمل مع زملائي في جدة التاريخية إلى تحويلها إلى وجهة ثقافية وسياحية مهمة، وكانت أولى الخطوات هي احتضان دار كريستيز للمزادات، إذ يعد مزاداً خيرياً، فقد بيعت الأعمال الفنية كافة بمبلغ يصل إلى 4.8 مليون ريال سعودي. فوجود هذا المزاد في منطقة تاريخية، يعطي زخماً وأهمية للمنطقة كونها ذات طابع خاص ومتفرد في العمارة، ما يجعل الصورة الثقافية متكاملة، والقادم أجمل إن شاء الله.

• احتضنت الوزارة فعاليات عدة بالتعاون مع مؤسسات ثقافية دولية، مثل أوبرا لاسكالا، ودار كريستيز للمزادات. ما جدوى مثل هذه الخطوة؟ وهل ستستمر؟

•• هدفنا في الوزارة تعزيز مكانة المملكة العالمية، كونها أرض الحضارات والثقافات، المملكة مشرعة أبوابها للعالم، وستمد جسورها الثقافية إلى الشعوب الصديقة. قدرنا أننا من بلد عظيم ومهم وإستراتيجي، لم نكن يوماً حضارة هامشية، بل يمتد تاريخنا إلى أعماق الحضارة البشرية. نؤمن بالمسؤولية التاريخية والحضارية على عاتق السعوديين؛ لذا نسعى في الوزارة إلى أن نساهم في إيصال الثقافية السعودية إلى مكانة تليق ببلادنا العظيمة والكبيرة. نراهن على طبيعة الإنسان السعودي المنفتح على الثقافات الأخرى في مد الجسور مع الآخرين.

• الصين.. العالم الآخر، كان لسموكم أسبقية التواجد في أكثر من منصة شعبية للتواصل الاجتماعي في الصين (أول وزير عربي)، ما الهدف من وراء هذا الحساب؟

•• الصين بلد حضارة، وصناعة، واقتصاد ومستقبل، وتدشين حسابي هو نافذة للتعريف بالمملكة، أرض الكنوز الثقافية والأثرية، وأحاول أن أساهم بشكل شخصي في إيصال رسالتنا الثقافة في المملكة من خلال بناء جسور تواصل مع الصين. ومن واجبنا الاستفادة من كل النوافذ الممكنة لبناء الجسور الثقافية بين المملكة وشعوب الدول الصديقة.

• أعلن ولي العهد حربه على التطرف، وكما تعرف أن انعكاسات إفرازات الأفكار المتطرفة أثرت على المشهد الثقافي في السعودية. أين وصلتم في حربكم لمكافحة الأفكار المتطرفة وتحرير القطاع الثقافي من تلك الانعكاسات؟

•• سمو سيدي ولي العهد أعلن الحرب على التطرف والأفكار المتطرفة، وأجزم أن المملكة تكسب هذه الحرب. لقد جففت السعودية منابع التطرف في رحلتها الدائمة لمجابهة الإرهاب وخطاب الكراهية، وفي وزارة الثقافة نؤكد أن مكافحتنا للتطرف عمل حضاري وثقافي بامتياز لتهيئة المناخات الطبيعية لأجيالنا وثقافتنا. لم نعرف في المملكة التطرف ولا الإرهاب إلا بعد بروز حركات «مستغلي الإسلام لأهداف سياسية»، والبداية كما قالها سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان من ثورة الخميني في إيران عام 1979. عازمون للعودة إلى ما كنا عليه، وهنا اقتبس من حديث سيدي ولي العهد: «سنعود إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع الأديان».

صحيح أن القطاع الثقافي تأذى من نيران التطرف لأعوام طويلة، ولكن في نهاية المطاف استمر في الإنتاج الإبداعي، ولم يتوقف عند تلك المحطات، ونجح السعوديون في هزيمة التطرف والأفكار الظلامية، سنمضي في رحلتنا الحضارية التي تؤمن بالانفتاح على العالم مع الاعتزاز بماضينا وتراثنا.

لسنا مستعدين -كما قال سمو سيدي ولي العهد- أن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة. ويبدو أن الأفكار المتطرفة وصلت إلى مرحلة اليأس والانتحار في المملكة؛ لذا فهي تحاول تشويه الإنجاز والإصلاحات السعودية. لن نسمح في وزارة الثقافة بأن تعطل تلك الأفكار تقدمنا لتحقيق الأهداف وتطلعات القيادة.

• سمو الوزير شكراً لك على قبول الدعوة، ونرجو أن تكون دورية ومتكررة.

•• على الرحب والسعة، وشرح آلية عمل الوزارة وخططها واجب تحتمه المسؤولية، وسأكون على الموعد متى ما اقتضى الموقف. وبالمناسبة، أقدم شكري واعتزازي وفخري بالمثقفين والفنانين والمبدعين في المملكة على دعمهم وثقتهم ومشاركتهم الأفكار والاقتراحات. في نهاية المطاف هدفنا واحد وسنصل إليه بتكاتف الجهود.