تضمن تقرير صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2019 مع المملكة العربية السعودية ترحيباً وتأييداً للإصلاحات التي قامت بها حكومة المملكة، وأكد الصندوق في تقريره أن الإصلاحات الاقتصادية قد بدأت تحقق نتائج إيجابية على الرغم من بعض التقلبات في أسعار النفط.

وتوقع التقرير ضمن الآفاق والمخاطر أن «تزداد قوة النمو غير النفطي هذا العام على المدى المتوسط، وأن تتسم المخاطر المحيطة بآفاق النمو المتوازن إلى حد كبير». وفي مجال السياسات المالية العامة أوضح التقرير «تراجع العجز في ميزانية عام 2018، لكن ارتفاع الإنفاق الحكومي يزيد من احتمال تعرض المالية العامة للمخاطر على المدى المتوسط في حال انخفاض أسعار النفط، وللحد من هذه المخاطر، هناك حاجة للضبط المالي. وينبغي مواصلة تعزيز إطار المالية العامة للمساعدة في الحد من مسايرة الإنفاق الحكومي لتقلبات الدورة الاقتصادية، ومن المرجح أن يؤدي نظام المشتريات الحكومية، الذي سيصدر قريباً، وما يرتبط به من إصلاحات إلى تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي والحد من مخاطر الفساد».

أما في جانب النمو والإصلاحات الداعمة لتوظيف العمالة فبيَّن التقرير «أن هناك إصلاحات جارية لتحسين بيئة الأعمال، لكن يتعين تعزيزها بجهود لزيادة الميزة التنافسية لتكلفة العمالة السعودية. وينبغي أن يكون الدعم الحكومي لتطوير قطاعات الاقتصاد جاذباً للقطاع الخاص وربطه بإطار زمني ومعايير للأداء».

وفي مجال الاستقرار المالي أكد التقرير «أن الجهاز المصرفي يتمتع بمستوى جيد من رأس المال والسيولة لكن يجب إحكام الرقابة على نمو الإقراض العقاري المتسارع، وقد تم إدراج المملكة في مؤشرات أسواق الأسهم والسندات العالمية»، وفي مجال القطاع الخارجي أوضح التقرير «أن ربط سعر صرف الريال السعودي بالدولار الأمريكي هو النظام الأنسب للمملكة ويخدم الاقتصاد الوطني».

مع تأييدي لكل الإيجابيات التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقريره لنجاح خطة المملكة الاقتصادية والمالية إلا أنني أقف قلقاً أمام اقتراحات خبراء الصندوق في النظر في رفع معدل ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 10% بالتشاور مع مجلس التعاون الخليجي، وأرى أن السوق السعودي والقطاع الخاص غير مهيَّأين لرفع ضريبة القيمة المضافة تقديراً للظرف الاقتصادي ونتيجة لتعافي أسعار البترول، كما أنني قد لا أتفق مع رأي الصندوق في إصلاحات أسعار المياه حيث إنه يوصي الحكومة بعمل خطط لرفع أسعار المياه، وكذلك لا أتفق مع التقرير في رفع فاتورة الأجور الحكومية ومطالبته بمراجعة نظام الخدمة المدنية ووضع إستراتيجية لمراجعة البدلات والمزايا وأرى أنه من الصعب جداً تخفيض رواتب موظفي الدولة أو سحب ميزة من مزاياهم.

كما أنني لا أؤيد توصيات الصندوق بزيادة الرسوم على العمالة الوافدة والتوقف عن صرف بدل غلاء المعيشة مع نهاية عام 2019.

هذا بعض من ملاحظاتي على تقرير صندوق النقد الدولي والذي أنشئ خصيصاً لوضع الاقتراحات من خلال خبراء دوليين للدول التي تعاني من مشاكل مالية وعجز متكرر في ميزانياتها، فعندها تلجأ إلى سد هذا العجز بوسائل عديدة منها الاقتراض الداخلي من بنوك محلية أو سندات حكومية أو الاقتراض من الخارج عن طريق سندات الدين العام أو الاتجاه إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض منه. وللأسف الشديد فإن تجربة الاقتراض من صندوق النقد الدولي للدول الفقيرة والنامية هي تجربة صعبة ومريرة تؤدي في كثير من الأحيان إلى شروط يضعها صندوق النقد الدولي تؤثر على الشعوب وتولد أزمات بين الشعوب وحكوماتها لأن بعض الشروط تفرض رسوماً جديدة ورفع الدعم عن السلع الأساسية أو وقف مساهمات حكومية لدعم فئات من المجتمع وهو إجراء على مر التاريخ تسبب بقيام ثورات شعبية ضد توصيات صندوق النقد الدولي.

وحيث إن المملكة العربية السعودية من الدول الغنية الداعمة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي حيث إنها غنية بمواردها ولم يصل بها الحال للاقتراض من صندوق النقد والالتزام بشروطه التعسفية أحياناً، وقد عودتنا حكومة المملكة على تقديم البعد الاجتماعي في عملها واقتصادها، ولقد تقبَّل شعب المملكة بكل فئاته بما فيها القطاع الخاص والمستهلكون من المواطنين قيمة الضريبة المضافة تمشياً مع الرغبة الأكيدة لدفع عجلة اقتصادنا، وإن فرض أي ضرائب جديدة لا بد أن يأخذ في الاعتبار وضع مستوى المعيشة ودخل الفرد والأسرة ومن الضروري جداً أن ينعكس إجمالي قيمة الضرائب المحصلة على تنمية المجتمع ورفع مستوى المعيشة فيه، ودافعو الضرائب عادة في جميع أنحاء العالم يبحثون عن الانعكاس الإيجابي لدفع ضرائبهم في المجتمع، شاكراً لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تصريحه بأنه لن يكون هناك ضرائب جديدة أو رفع لقيمة الضرائب الحالية حتى عام 2030 ولا سيما أن نتائج الإيرادات الضريبية والرسوم هذا العام قد تجاوزت كل التوقعات.

* كاتب اقتصادي سعودي

abdullahdahlan@yahoo.com