يتحدث كثيرون هذه الأيام عن مصطلح «القوة الناعمة» بعمومية مفرطة لا تجسد المعنى الحقيقي للمصطلح، فالقوة الناعمة تعني القدرة الحقيقية على تغيير مجرى الأحداث وتوجيه دفة الصراعات وكسب المعارك دون إطلاق رصاصة واحدة، وهذا أمر يستلزم أن يمتلك صاحب هذه القوة منظومة إستراتيجية متكاملة من وسائل ديناميكية وخطط احترافية لإدارة الصراعات.

القاعدة الأشهر في الحروب العسكرية «الهجوم خير وسيلة للدفاع»، وهي كذلك في ميادين القوة الناعمة، فلا يمكن أن تكون القوة الناعمة مجرد حارس مرمى مهمته صد كرات الخصوم مرة والسقوط أرضاً مرات أخرى.

لدينا في المملكة هيئات ومؤسسات مجتمع مدني كثيرة ومتنوعة الاختصاصات، لكنها في الغالب تؤدي أدوارها بطريقة تقليدية لا يمكن معها أن نصنفها ضمن وسائل القوة الناعمة، ولو استطعنا تحويلها إلى مخالب ضد خصومنا على المستوى الدولي لتحقق مفهوم القوة الناعمة كما ينبغي ولتحولت هذه الهيئات والمؤسسات إلى أسلحة إستراتيجية ذات ثقل حقيقي ومؤثر في كسب المعارك التي نخوضها.

على سبيل المثال لدينا هيئة صحفيين عمرها سنوات، لكنها لم تصدر بحسب علمي بياناً واحداً يستنكر مصادرة حريات الصحفيين في قطر أو إيران أو تركيا أو غيرها من الدول التي تهاجمنا بيانات مؤسساتها المدنية بالأكاذيب كل يوم وتستصرخ العالم ضدنا، ولو عملت هيئة الصحفيين السعوديين على إصدار تقارير شهرية أو فصلية ترصد عمليات انتهاك حرية الصحافة في الدول التي تستهدفنا، وتوزع تقاريرها على وكالات الأنباء الدولية والمنظمات الحقوقية حول العالم لأدت دوراً عظيماً في تجسيد معنى القوة السعودية الناعمة.

وما ينطبق على هيئة الصحفيين ينطبق على غيرها من الهيئات والجمعيات المهنية والغرف التجارية ومراكز الدراسات والمؤسسات المستقلة، كل في مجاله، وإذا تحقق ذلك فإن صوتنا عالمياً سيكون مرعباً لأعدائنا أو حتى أولئك الذين قد يفكرون في إشعال خصومة معنا.

في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من دول العالم الأول تصدر الجمعيات المهنية بيانات وتقارير استهدافية لدول محددة أو تعليقاً على حادثة معينة، وهي في الواقع طلقات أقوى من الرصاص وقادرة على تشويه سجلات وصور الدول المستهدفة، أي أنها أسلحة فعلية في معركة ناعمة لاتنثر فيها الدماء، لكنها تقصم ظهر الصورة الوردية التي تقدمها بعض الدول لنفسها وتخسر المليارات سنوياً للمحافظة عليها.

الدول العظمى بحاجة إلى أسلحة ناعمة عظمى، وثقل السعودية اليوم اقتصادياً وسياسياً على المستوى الإقليمي والدولي يفرضها كلاعب أساسي وقوة عظمى، وبما أن استراتيجية المخالب هي ما يميز حروب الجيل الجديد ويحقق مفهوم القوة الناعمة.. فماذا ننتظر؟!

* كاتب سعودي

hd.alhayat@gmail.com