طالب بن محفوظ (جدة)
أربعة عقود لم يتخل فيها عن التوهج فلم يتخل عنه الإبداع، عمل بنسمات نفسية حركت قلبه ورئتيه، حمل ناصية قلم وأداة معبِّرة عن خلجاته وطموحاته وتصوراته بروح مهنية متطلعة تقول «هل من جديد»، لمسها قراؤه قبل تلامذته وزملائه.

انطلق الصحفي السوداني المخضرم عبدالله عباس عبدالرازق بقنطرته إلى «أرخبيل» الصحافة من بابها الواسع ومعرفتها المتشعبة، في أطر تكفّل فيها بسداد الجهد لمواصلة المسيرة المهنية، عبر تطوراتها المتبدِّلة، ومناخاتها المتغيرة، وتضاريسها المتباينة.

وجد نفسه في مهنة عشقها؛ متحديا الصعاب بالولوج إلى الملفات الشائكة بجسارة، وبأفكار مبتكرة شكَّلت مدرسة الضمير الصحفي غير القابل للترغيب أو الترهيب، في رسالة مهنية من خبير إلى جيل شاب يحمل الراية من بعده.

أمسك «ابن العباس» دفة السفينة المهنية بدقة؛ ما قبل «غوغل» وما بعد طفرة الصحافة التقنية، مبحرا في أمواج الصحافة المتلاطمة والهائجة، سالكا الأنواء إلى بر الأمان؛ حفاظا على المهنية ونشر آفاق الصحافة المعرفية، وليتذكر الجيل المعاصر بوفاء عطاءات وإسهامات مدرسته «صحافة الناس»، العاكسة لاهتماماتهم وهمومهم، والمعبِّرة عن تطلعاتهم وآمالهم.

امتلك ناصية المهنة بحرفنة مُرهِقة بين عهدين، وتمازج مؤثر بين زمنين؛ وروح مفعمة حوت جيلين، وإيمان برسالة نبيلة دورها المحوري «نهضة الأوطان وتطورها».

إن غادر «عرّاب الجيلين» عروس البحر الأحمر جسدا فإنه يبقى نتاجا مؤثرا نابضا، حمل في 40 عاما همَّ زملاء المهنة؛ حرص على مصالحهم ودافع بثراء عنهم، بعيون صحفية وعقلية مُحترِفة، وحس إنساني وقدرات مهنية وخُلقية.

يغادر مكفكفا دموعه وكأنه يقول: هذا أنا كما عهدتموني أبوح بمكنون ذاتي لتقرؤني، استأذنكم في الانصراف راجيا الصفح عن أي زلل غير مقصود، أعزكم وأقدركم وأحبكم.

هذا هو «الأسمراني عباس» الذي حاز لقب «حبيب الناس»؛ واستحوذ على رضاهم ونال الحظوة بينهم.