«وأنا ابن سوداء الجبين كأنها ضبع ترعرع في رسوم المنزل» لعنترة، ويقول أيضاً: «لئن أكن أسودا فالمسك لوني وما لسواد جلدي من دواء.. ولكن تبعد الفحشاء عني كبعد الأرض عن جو السماء»، ويؤكد هنا تعييبهم وعنصريتهم: «لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسب يوم النزال إذا ما فاتني النسب»، هذا ما قاله عنترة، فماذا عن عصرنا اليوم، حين نظن أننا قطعنا أشواطاً في التحضر الإنساني حتى تأتينا عبارات عنصرية تعيدنا إلى الوراء 50 عاماً ولا أعلم ما الذنب الذي اقترفته في حياتي ليعاقبني القدر بأن أتخصص بالسردية وتحليل الخطابات، فمثلاً تسمع هذه المفردات «خالة - عبدة - تكرونية - سودا - شعر فلافل، جاتها أم العبيد، زنج»، أوصاف رافقت الذهنية البشرية عبر التاريخ، لا تزال تراها متداولة بين البعض فمثلاً حتى حينما كنت أرصد ردود الأفعال لغرض بحثي على إلغاء حفلة المطربة العالمية «نيكي ميناج» وكانت معظم الردود تتناول لون بشرتها «محد درى عنك يا العبدة، من زينك يا الكويحة، وش عندها الخالة»، أوصاف مجتمعية متداولة في الخليج وحتى في بعض المشاهد اللا فنية!

ما حقيقة العنصرية ضد السمر؟ ولماذا يتم التعاطي مع هذه المفردات؟ وبالمناسبة حتى النصوص التي في التراث العربي لا تخدم عنصريتهم فلا يتم التعرض وذكر السمر إلا من خلال التفضيل، وهذا بحد ذاته مبحث لغوي يستحق عناء البحث، لكن في التجمعات التي نراها لا يخلو حديث البعض من الهمز واللمز فيقال «الله يسود وجهك» بمعنى أنك جئت بشيء قبيح، حسناً لماذا «يسود» وجه أحدهم؟! ولماذا ارتبط اللون الأسود بالعقوبات والمنزلة الأدنى، بل من منا لا يتذكر قصة «البطة السوداء»! وكيف نبذها إخوتها؟! هذه القصة ظاهرها يحارب العنصرية لكن الذي أفهمه الآن أن هذه القصص قمة العنصرية فهي لا تلبث بلونها الأسود بل تكبر وتنقلب وكأنها رسالة بأن اللون الأسود أمر مؤقت ومبرر للنبذ!

حسناً، لنتحدث بشكل جاد أكثر، كيف تقاوم الحكومات الأوروبية التي تفوح في بلدانها العنصرية هذه المشكلة؟ من خلال نموذج يسمونه ميثاقا أخلاقيا أو بيانات عرقية يختلف بحسب الجهة تشمل بيانات تقوم بتعبئتها «لونك - عرقك - دينك - جنسك» وغيرها، والهدف الأساسي هو إيجاد قاعدة بيانات تسهل مسح الحالة العنصرية من خلال معرفة هذه المعلومات التي من خلالها تبين للمجتمع الأكاديمي البريطاني وجود عدد لا يصل لعشرين أكاديمية من ذوات البشرة السمراء يعملن في الجامعات! يا ترى كيف حال مجتمعاتنا العربية؟!

بالتأكيد أنا أعتقد أن حال السمر لدينا أفضل بكثير من العالم الغربي، وهذا أمر مشاهد، لكن تبقى هذه العبارات والحزازيات الاجتماعية في الزواج والارتباط تعرقل حياة البعض، والأهم من هذا كله أتمنى أننا جميعاً نعيد النظر في العبارات التي نتداولها، بل أن نتجنب بشكل مباشر هذه النكت السامجة والأوصاف غير اللائقة، وألا نأتي بأمثلة عنصرية كالذي يقول على سبيل المثال في مدارسنا يتعلم الجميع السود والبيض! وكأنك تقول رغم سوادهم نعلمهم! وكأن هذا الأمر تفضل من هؤلاء، من ناحية أخرى المحك الحقيقي للإنسان هو أخلاقه وعمله ومهاراته وقيمة ما يقدمه للآخرين، فلا لونك ولا حسبك ولا نسبك سيشفع لك لحظة السؤال.

* كاتبة سعودية

Areejaljahani@gmail.com