سعود رويبح السلمي
خلق الله الإنسان ولم يخلق طويته بمعزل عن جسده، لم يخلق انفعالاته لتعمل ضد ما يؤمن به، لم يجعل عينيه إلا مرآة لروحه كما جعل خلجاته ونبرات صوته «ترمومتر» لصدق أو كذب ما تقوله حنجرته، فنبرات صوت الشخص الذي يقول الحقيقة واضحة واثقة، وهي أيضاً مرتعشة ومرتبكة لو كان يكذب، ومشية الشجاع تختلف عن مشية المهزوم أو المثقل بالهموم، وأرواحنا تتوق إلى التعبير عن نفسها، كما أن أجسادنا تترجم انفعالاتنا بدقة ومهما تدرب الشخص على الكذب لسبب ما فلن يتمكن أبداً من أن يجعل اختلاجات جسده تتماهى مع الكذب بحال.

وأول كتاب معروف وضع لدراسة لغة الجسد هو «التعبير عن العواطف لدى الإنسان 1872» وفي دراسة قام بها أحد علماء النفس اكتشف أن 7% فقط من الاتصال الإنساني يكون بالكلمات و38% بنبرة الصوت و55% بلغة الجسد، ولو اختلفت الكلمات ولغة الجسد فإن الفرد يميل إلى تصديق لغة الجسد، إن مظاهر الاتصال غير الشفهي لم تدرس عملياً على أي مقياس إلا منذ الستينات من القرن الماضي، خصوصاً عندما نشر دجوليوس فاست كتابه عن لغة الجسد عام 1970.

وفي القرآن الكريم قال الله تعالى «وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون» (سورة الواقعة) نهى الله عن امتهان الكذب كوسيلة للارتزاق ذلك أن الحقيقة ستظهر ولو بعد حين والفضيحة تنتظر في نهاية الطريق، إن أعضاءنا تشهد علينا في الدنيا أولاً كما ستشهد علينا في الحياة الآخرة - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - فمنهج الله واحد وهو رب الدنيا والآخرة. وليس هناك نموذج أوضح (لدراسة لغة الجسد في حالة الكذب) من نموذج قناة الجزيرة القطرية، فالكوادر الإعلامية بها مدربة على أعلى مستوى لتوجيه مادة إعلامية تخدم مصالحهم وأغراضهم الخبيثة، لذا فكثير مما تبثه القناة هو كذب وافتراء، لذا إذا دققت من زاوية لغة الجسد مع هؤلاء الإعلاميين لن تجد صعوبة في تبين المأزق الذي يعيشونه على مستوى الضمير واحترام الذات، إن نظرات عيونهم تكاد تقول «نحن نكذب، نحن نبيع ضمائرنا على الهواء»، وطريقة تقافزهم عن مقاعدهم عند إذاعة بعض أخبارهم التي تتسم بالتلفيق ليست تصرفاً طبيعياً، إن أجسادهم ترفض الضلال الذي يبثونه ليل نهار والبعض منهم في محاولته لإخفاء الحقيقة يضيف بعض البهارات الصوتية للكلمات، كما أن ملامحهم بشكل عام ليست في حالة ارتياح أبداً، إنها متشنجة ونظرات أعينهم لا تستطيع أن تقاوم الخجل، إنها أزمة حقيقية يعيشها هؤلاء الإعلاميون الكاذبون، وها نحن نشهد كيف أن الشعوب العربية برمتها عرفت حقيقة تلك القناة الكاذبة بعد أن امتهنت لسنوات الإثارة الخبيثة المخطط لها. ترك أكثر الناس مشاهدة تلك القناة لأن الإنسان بفطرته يكره الكذب، من يشاهدها سيرى بأم عينيه سيرك الضلال المحزن والمضحك منصوباً ليل نهار، إنه درس تحذيري للأفراد قبل المؤسسات، فالكذب لا يدوم ومصيره الانكشاف مهما كان من يدعمه ومهما كانت الأموال والتقنيات التي تدعمه لأنه ببساطة.. هو كذب ولا شيء آخر.