يعود موسم التعليم هذه المرة مختلفاً، وهو في كل مرة يعود يحدونا الأمل بأن يكون متجدداً ومتخلصاً من بعض الشوائب التي علقت به خلال عقود طويلة، لكننا نُصدم بأن ما يحدث ليس سوى تلميع بعض الواجهات بينما المشكلات المتجذرة باقية تنخر جسده وتمنع خلاياه من التجدد والحيوية والنشاط، لكننا عندما نقول إنه عاد هذه المرة مختلفاً فلأن السبب الجوهري في ذلك أن هناك إرادة عليا حقيقية قررت التغيير إلى الأفضل والقطيعة مع السلبيات والمثبطات والوقوف بقوة ووضوح وحزم مع الوصاية الفكرية الأحادية على أهم جهاز إنتاجي للأجيال وتشكيل أفكارهم وتحديد صلاحياتهم لتحديات الحياة.

لدينا تفاؤل كبير بأن الجدل المستمر حول التعليم سوف تتناقص حدته، والجدل الذي نعنيه ليس النقاش وتطارح الأفكار لإضافة مزيد من الجودة على العملية التعليمية لأن هذا مطلوب دائما، وإنما نعني ذلك الجدل المسموم المقيت الذي كلما بزغ أمسكت بزمامه القوى التي بسطت سطوتها على التعليم طويلاً لتحويله الى وسيلة استقطاب فكري وأيديولوجي، وحاربت بشراسة كل محاولات تنقية الساحة التعليمية وتخليصها من الأوبئة المزمنة.

التحدي الكبير لكل تطلعات الوطن وآماله وأحلامه هو التعليم، والتعليم العام على وجه الخصوص الذي يمثل قاعدة الانطلاق، وحجر الزاوية لما بعده. النجاح لا يمكن للطالب الجامعي أن يحققه عندما تكون مخرجات التعليم مترهلة ومهزوزة. وكمثال فقد أهدرنا وقتاً طويلاً في الجدل حول إدخال لغة أجنبية في التعليم العام، لم يكن النقاش حولها علمياً وأكاديمياً وتربوياً، وإنما شكل من أشكال التجاذب بين الفكر القديم والجديد واستمرار للمفاصلة بين التحديث والجمود الفكري، وكان التعليم الضحية الأكبر لكل ذلك الهراء الطويل.

كل الدول التي انطلقت إلى المستقبل بسرعة وتفوق في كل المجالات امتطت مركبة التعليم المتطور، أنفقت على التعليم جل مواردها لكنها كسبت في النهاية أضعافاً مضاعفة. ونحن إزاء رؤية وطنية هائلة الطموح ليس لها من وقود يدفع بها إلى مدارها سوى التعليم. إننا مستبشرون في هذه المرحلة بتعليم سوي طالما القرار قد تم اتخاذه بألّا عودة للوراء.