شاهدت مقطعاً متداولاً يستعرض مقارنة سريعة بين طفل أجنبي يودع أمه ببهجة وابتسامة متوجهاً بها نحو مدرسته، وتحاول أمه وقتها اختبار مشاعره وتخبره بأنها متوترة، ويطمئنها هو بأن الحدث لا يستدعي ذلك، وفي المقابل طفل آخر من أطفالنا يصرخ ويرفض ذهابه للمدرسة ويعلن عصيانه على أهله.

في الصورتين المتقابلتين توقفت متأملة الأسباب التي تستدعي طفلين في العمر نفسه يعيشان رغبة مختلفة تماماً، الأول في حالة نفسية مقبلة على رحلته الجديدة إلى المدرسة، والآخر في رفض وسخط! ما الظروف التي ساهمت في صناعة الفرق الشاسع بينهما؟!

لا أخفيكم ابتعدت في التفكير عن الأسباب الشائعة التي تتعلق بالمدرسة وبيئتها الجاذبة والمعلم المحفز الفاضل الذي يتعلق به الأطفال ليروا ما يرى ويسمعوا ما يسمع، وكذلك ابتعدتُ عن الأسباب التي تتوجه للمنهج الدراسي ووسائل التدريس وإستراتجياته واقتربت من مشهد الأم التي تودع طفلها وتخبره بكل هدوء بأنها متوترة؛ لأنه أول يوم دراسي لطفلها، وفي المقابل يبادلها طفلها دور الأم معها ويطمئنها بألاّ تتوتر؛ لأنه يوم مبتهج، والأمر لا يستدعي قلقها وخوفها.. فهو يوم عادي جدا.

خلال المشهد لاحظت أمراً خفي علينا عن عزوف أطفالنا وخوفهم وتوترهم وصراخهم في أول يوم دراسي وخشيته من الانفصال عن أهله وبيته وكأنه ذاهب إلى جهنم! وتعود الأسباب الخفية إلى أمور ترتبط بالأسرة والمجتمع والثقافة المتداولة عن المدرسة وكأنها عقاب ينتظر أطفالنا.. نجد الأهل في البيوت كل وقت يتوعدون طفلهم بقرب موعد الدراسة وانتقاله إلى عالم من العبء فيشعر حينها الطفل بأنه مقبل على مرحلة من العبء والمسؤولية، وأنه محاصر بالهم والخوف، ناهيكم عن التوصيات التي يُلقن بها الطفل فغالبًا تتخللها لغة التهديد والوعيد لضرورة حصوله على الدرجات العليا وإتقانه للدروس وهو لم يخط بعد حرف الألف!

ولا ننسى التهديد والوعيد بضرورة النوم مبكراً، فيشعر الطفل وقتها بأنه سيفقد النعيم والحرية والترف والفوضى الزمنية والمكانية لينتقل إلى عالم من الانضباط الثقيل أشبه بالسجن كما صوره له أهله والمجتمع من حوله قبل التجربة الذاتية منه. إضافة إلى ذلك الضغط الإعلامي وكأن الدراسة أمر طارئ على حياة أبنائنا وليست أمرا عادياً لصيقاً به مثل احتياجه للماء والأكل، فتظهر العبارات والتوجيهات ولغة الخطاب الثقيلة على «القلب» التي تشعر أبناءنا بأنهم مقبلون على مرحلة منفصلة عن حياتهم ويومياتهم وكأن الدراسة واجب ومهمة عسكرية طارئة تستدعي منه الحرب!

أبناؤنا هم ما نزرعه نحن فيهم من مشاعر وأفكار ومواقف.. أبناؤنا لا يكرهون المدرسة بالفطرة، ولا يقلقون من أول يوم دراسي، إنما نحن كأسر ومجتمع بأكمله نُسرب لهم مشاعر الخوف والرهبة بلا وعي منا.

* كاتبة سعودية

monaotib@