على ضفاف المحيط الأطلسي وفي منتجع بياريتز التقى قادة الدول الصناعية السبع، في مكان يليق بنادي الكبار اقتصاديا. حرصت باريس ورئيسها منذ اللحظة الأولى على الصورة وقد تم التقاطها. أرادها ماكرون قمة أقرب إلى العطلة، منها إلى منصة يتم من خلالها مناقشة قضايا العالم الذي تؤرقه، لذلك بقي سيد الإليزيه واضعا يده على قلبه خشية من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي لا يتردد في كسر البروتوكول أو الإدلاء بتصريحات قد لا تعجب المضيف. ورغبة بتجاوز أي خلاف مع ترمب أعلن ماكرون منذ اللحظة الأولى أن القمة لن يصدر عنها بيان ختامي كما هي العادة، خشيت فرنسا أن يرفض الرئيس الأمريكي التوقيع على هذا البيان كما حدث في كندا العام الماضي بما يحكم بالفشل على هذا الاجتماع. كسرت القمة هدوء المنتجع الوادع بحضور أمني احتل البلدة على امتداد أيام التحضيرات والاجتماعات، بما يشير إلى التحسب من المظاهرات التي تنظمها التيارات اليسارية والمعادية للعولمة والليبرالية والتي غالبا ما تكون عنيفة، لذلك كان أقرب تجمع للمتظاهرين يبعد عشرات الكيلومترات عن مقر الاجتماع. في بيئة هادئة وفي ذروة موسم الإجازات في فرنسا بدت قمة مجموعة السبع شاذة ومقلقة وثقيلة الحضور. ويبدو أن هذا التوصيف لا ينطبق على أجواء القمة وما صاحبها، بحيث لم يجد الصحفيون ما يثير الاهتمام سوى قبلات القادة وزوجاتهم، بل تجاوز ذلك إلى المواضيع التي طرحت وشغلت القمة.

عشرات القضايا كانت مرشحة لتكون محور النقاش في هذه القمة من الحرب في سوريا إلى تطورات الأزمة في ليبيا مرورا بما يحدث في اليمن وقضية الشرق الأوسط وغيرها من القضايا، ولكن المضيف الفرنسي فضل التركيز على ثلاث قضايا أساسية ربما تجد بعض الاهتمام وإمكانية الوصول إلى تفاهمات بين القادة. فكانت هذه القضايا مرتكزة على الحروب التجارية المندلعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من دول العام على رأسها الصين وحروب أخرى مع الحلفاء الأوروبيين وحتى الكنديين لم يسلموا منها. أما القضية الثانية فكان الملف الإيراني بكل تشعباته، والقضية الثالثة فرضت نفسها في الأيام الأخيرة وهي حرائق الأمازون. في الحروب التجارية المندلعة كانت القمة أقرب لحوار الطرشان بين القادة حيث فشل الاجتماع بالخروج بنتائج محددة لأن الأمر ليس مرتبطا بصفقة تجارية يمكن التفاهم فيها بتقديم تنازلات من هذا الطرف أو من ذاك. بل الأمر مرتبط بمرحلة جديدة يمر بها الاقتصاد العالمي. فإذا كانت هذه الدول قد اتفقت على قواعد التجارية العالمية بعد نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينات من القرن الماضي، هذه القواعد سمحت بازدهار العولمة وأبقت على الولايات المتحدة كزعيمة اقتصادية وسياسية وعسكرية بلا أي منازع، ولكن هذه القواعد نفسها هي التي تهدد اليوم عرش واشنطن لأنها سمحت لأطراف أخرى وعلى رأسها الصين بمنافسة تبدو خلالها واشنطن تتراجع بحدة ويبدو التنين الصيني قادم بقوة ويهدد بأنه سوف يدهس الجميع، هذا على الأقل ما تراه الإدارة الأمريكية. وبالمناسبة، هذه الرؤية ليست جديدة ولكنها بدأت منذ عهد أوباما، الفرق أن الرئيس ترمب بدأ يتخذ إجراءات مباشرة وملموسة ضد الصين، كما أن الأخير يعبر عن هذه التخوفات الأمريكية بوضوح وفجاجة.

أما الملف الآخر فهو الملف الإيراني حيث استثمرت باريس سياسيا لمحاولة لعب دور الوسيط منذ اندلاع الأزمة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وماكرون كان يمني النفس بإمكانية تحقيق اختراق على هذا الصعيد، لذلك كثف من تحركاته فأرسل مستشاره إلى طهران وكذلك استقبل ظريف قبيل القمة. باريس كانت ترى أن واشنطن لا تريد المواجهة بالرغم من العقوبات الشديدة المفروضة على طهران، وترى بأن هذه الأخيرة أيضا لا تريد المواجهة، وبالتالي انطلقت من هذه النقطة وبدأت محاولة، ليس لإيجاد اتفاق بين الطرفين ولكن لتخفيف التوتر وهذا لا يتسنى إلا بتقديم تنازل إيراني بقبول مبدأ التفاوض على البرنامج الصاروخي ودور إيران المخرب في المنطقة وطبعا الملف النووي، ودفعت باريس باتجاه تقديم واشنطن تنازلا يقضي بتخفيف العقوبات. بالرغم من الحركات الاستعراضية الفرنسية واستدعاء ظريف، إلا أن الملف بقي يراوح مكانه. الولايات المتحدة لم تتخل عن العقوبات والأزمة الاقتصادية الإيرانية على حالها وأوروبا تتمرغ في عجزها المعهود. ثم أخيرا تم التطرق إلى حرائق الأمازون فاهتز الجبل فولد فأرا أعرج متمثلا في مساعدات قيمتها 20 مليون دولار لحكومة البرازيل لإطفاء الحرائق، تبدو نتيجة المحادثات في هذا الصدد مثيرة للسخرية بالنظر أن الأمر يتعلق بسياسات يجب اتخاذها على صعيد هذه الدول للتخفيف من الاحتباس الحراري، لأن حرائق غابات الأمازون عرض لمرض، لذلك يجب مواجهة التلوث وليس مساعدات لا تسمن ولا تغني من جوع.

العالم بعد هذه القمة لا يختلف عما قبلها، بقيت الأزمات تراوح مكانها ولعل الفائدة الوحيدة أن العالم علم عن بلدة فرنسية جميلة يمكن أن يشد الرحال إليها لقضاء الإجازة ولكن بدون سياسة وبدون قمة، لأن هذه الأخيرة كانت مجرد عجوز عمياء تحاول المشاركة في دبكة، فلم تستطع التقدم قيد أنملة وبقيت ترقص في مكانها.

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@