اقتحمت التكنولوجيا حياتنا فسهلتها علينا من جهة، ومن جهة أخرى أصبح (البرود) يخيم على أغلب العلاقات الإنسانية حيث اختصر الناس الوقت وأصبحوا يتواصلون، ويتراسلون إلكترونياً ولم يعد للرسائل الورقية ولا صناديق البريد أي أهمية.

فقد فقدت الرسائل الورقية قيمتها إلى الأبد، ولم يعد للهفة والترقب والشوق وانتظار الرسائل مكاناً في زمننا هذا، على الرغم من إنها لم تكن في يوم من الأيام مجرد حبر وورق.

بل كان للمراسلات الورقية قيمة وأهمية، وقد كانت شيئاً أكبر وأعمق من مجرد وسيلة أو علاقة يلجأ إليها العشاق، والأصدقاء، والأهل، والمغتربون عن أوطانهم ليكتبوا فيها أحوالهم، ومشاعرهم الصادقة ويسطروا عليها تفاصيلهم وأوضاعهم وحال قلوبهم، فعلى الورق ولدت الكثير من البدايات، ووئدت وماتت الكثير من الحكايات والنهايات.

وفي ذاك الزمان، فضّل عاشق ولهان أن يعبر عن حبه الشديد لفتاة من خلال شن هجوم ناعم برسائل حب إليها، ولكنه لم يكشف لها عن هويته وفضل التوقيع عليها (بمهبول) عفواً أقصد بمجهول!

وبعد أن أرسل لها ما يقارب 1320 رسالة خلال عامين تحقق أخيراً مراده ومبتغاه، ووقعت معشوقته بالغرام فعلاً، لكن ليس معه، بل وقعت على (بوزها) في حب ساعي البريد الذي كان ينقل إليها رسائله فاستلطفته وتزوجته وعاشت معه حياة سعيدة.

ولأن ذكاء العاشق (الأبله) كان منقطع النظير ولم يسعفه طارت الطيور الزاجلة بأرزاقها، فحتى مع وعده لها بالزواج منها مع عدم كشفه لهويته، قررت الفتاة رفع دعوى قضائية عليه واكتشفت الشرطة فيما بعد أنه زميلها في العمل، (فكلبشوه) واعتقلوه وزجّوا به في السجن وما زال (الحبّيب) يكتب لها رسائل الحب ثم (يبلها ويشرب مويتها) وهي تنعم برغد العيش مع زوجها المحظوظ.

وفي حادثة مشابهة ألقت الشرطة المكسيكية القبض على فتاة متيمة أرسلت إلى حبيبها السابق أكثر من 19 ألف رسالة بريدية في أسبوع، وبعد إبلاغ السلطات تم القبض عليها واكتشفوا أنها (مخبولة) وخبالها هو ما دفعها لفعل ذلك بعد انفصالهما، ويضرب الحُب شو (بيذل).

تلك الفتاة ليست بعيدة عن حال أخرى (مو صاحية) لم تراسل حبيبها فقط بل غنت له وقالت: (ومن الشباك لا رميلك حالي)، سلامات يا الحبيبة؟!

المُهم ما علينا منهم ومن (خرابيطهم) وبدون كذب ولف ودوران؛ ذات نهار مشرق وبينما كنت أمارس السباحة كأي سمكة تشق البحار، عثرت على زجاجة (كوكاكولا) كانت قد جرفتها المياه إلى الشاطئ وفي داخلها رسالة مكتوبة بخط اليد (فتلقفت) وفتحتها وجاء فيها:

(لا رنات ولا رسايل ولا سؤال فيا، لو كنت ربيت كلب كان «هوهو» عليا).

صدقوني هذا ما حدث ويبدو لي أن صاحبة الرسالة امرأة (منفسنة) وأخلاقها قافلة من محبوبها وأرادت التعبير عن مشاعرها مع اختلاف الأسلوب والوسيلة.

أما عني، فالحمد لله قد وصلتني للتو رسالة من شركة الاتصالات السعودية يشكرونني فيها على سدادي للفاتورة، وما كدت أن أقول لهم: العفو، حتى عقبتها رسالة أخرى تعيسة من البنك تفيدني وتذكرني بخصم المبلغ من حسابي.

وصلوا تحياتي لفنان العرب وقولوا له: «لا لن أرد الرسائل ولن تفعل شيئاً بالورق».

* كاتبة سعودية

Twitter: @rzamka

Rehamzamkah@yahoo.com