دائما ما نسمع ونقرأ عن ما يشار إليه بـ «الحكومة العالمية الخفية»... والتي تعني: وجود سلطة عليا خفية، ذات قوة خارقة، ونفوذ هائل، تهيمن على العالم، أو على أكبر أطرافه، وتسيره في الوجهة التي تريد، ودون أن يراها أحد، أو يستطيع كائن من كان أن يقف في وجه جبروتها، وإرادتها. هذه الحكومة يعتقد أنها تسيطر على معظم مقاليد الأمور الكبرى على وجه الكرة الأرضية. فلا ينعقد أمر مهم إلا إن كانت وراء حدوثه، أو باركته. ولا يمكن أن يحدث في العالم أي تطور لا ترغبه، أو أنه ضد ما تعتبره «مصالحها»، وتوجهاتها ورغباتها...؟!

والواقع أن هذه القوة ليست دائما «حكومة»، وإنما يستخدم هذا المصطلح مجازا، وللتعبير عن سطوة هذه القوة التي تتجاوز قوتها قوة الحكومات، وتهيمن على أغلب حكومات القوى الدولية الكبرى - كما يعتقد. ولعل أبرز ما تتميز به هذه السلطة (أو القوة) كما يكتب عنها، ويستشف من سياساتها، أنها:

1- مكونة من قلة قليلة جدا لا يتعدى عددها الآلاف من الأشخاص.

2- تمتلك ثروات هائلة تجعلها أغنى الأطراف في العالم، وتسيطر على الشركات التجارية الكبرى.

3- تخفى عن الأعين وتتحرك بسرية تامة.

4- لها أهدافها الخاصة التي تتناقض مع الأهداف الإنسانية الخيرة.

5- تريد في نهاية المطاف، الانفراد بالعالم، والتخـلص من أغلب سكانه....؟!

6- يجتمع أبرز أعضائها بشكل دوري، أو طارئ، وسرا، وبشكل مريب.

7- الغاية عندها تبرر الوسيلة... فهي لا تتورع عن عمل أي شيء، واتخاذ أي إجراء (وسيلة) لتحقيق ما تريد تحقيقه من أهداف شريرة في الغالب.

8- تهيمن على الدول الغربية الكبرى، ومن ثم تؤثر على كل ما يجري في العالم من أحداث كبرى.

9- لها جمعيات وأندية سرية، أعضاؤها سريون،

10- لها ارتباط وثيق بالدين اليهودي والحركة الصهيونية العالمية وإسرائيل.

ويبدو أن هذه السلطة (الخفية) متوحدة، وإن وجدت لها عدة أذرع، وتمارس نفوذها من خلف الستار ككتلة واحدة، أو منظمــات متكاملة. ويعتقد أنها تساهم في اختيار زعماء الدول الغربية الكبرى وقادتها، أو تتدخل للتأثير في نتائج الانتخابات، وتسخر هؤلاء لتنفيذ سياساتها التي تشمل العالم بأسره، وخاصة المناطق المهمة فيه. ومن خلال هؤلاء تشن الحروب، وتعقد الصفقات، وتبرم المعاهدات، ومنها اتفاقيات السلام هنا أو هناك، في هذه المرحلة أو تلك. ويشار إلى أن هذه القوة يهيمن أفرادها (فرادى ومجتمعين) على أهم بيوت المال والبورصات في العالم، وكذلك البنوك الكبرى والإعلام والثقافة في دول العالم الكبرى.

****

والواقع، أنه يمكن رد كثير مما يجري في العالم - كما يقول خبراء كتبوا عن الحكومة الخفية - إلى تدبير من هؤلاء، مثل اندلاع بعض الحروب، والانقلابات، والثورات، وسياسات الإفقار والتدمير وسحق الشعوب. فكثير من هذه الأحداث لا يحدث عفوا أو عشوائيا، بل عبر خطط محكمة، و«مؤامرات» مدروسة متقنة. وهنا نتوقف، لنذكر أن هناك بالفعل دلائل وبراهين ملموسة وقاطعة، تثبت وجود دسائس ومؤامرات عدة تجاه هذا الطرف الدولي أو ذاك. كما أن هناك مؤامرة كبرى (غربية الأصل والمصدر، استعمارية صليبية- صهيونية الهوى) ضد المنطقة العربية، المسماة بـ «الشرق الأوسط». وقد تأكدت هذه المؤامرة لدرجة اعتقاد البعض أن من ينكرها (جهلا، أو نفاقا) إنما هو جزء منها، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، اعترف به، أم أنكره. والذي ينكر وجود هذا التآمر (الظاهر - الخفي) ربما يحاول ( جهلا، أو تواطؤا، أو تملقا، بادعــاء «الواقعية»، والعقلانية) أن يصرف الأنظار عن خطر جسيم، يهدد بلاده وأمته، بدعوة أنها مجرد أوهام... أو «شماعة»... إلخ. علما بأن حكومات أغلب الدول العظمى والكبرى تمارس، من حين لآخر، سياسات التآمر السرى، أو ما يمكن أن يسمى بالسياسات الخارجية السرية، وغير المعلنة أو المعترف بها، والتي كثيرا ما يكشف عنها لاحقا.

****

ومن الصعب أن نورد في مقال موجز كهذا أهم ما يتعلق بهذه القوة العالمية الخفية، أو نورد أهم ما يثبت وجودهــا ويرصد نشاطـها، على سبيل الجزم. إن دراسة «العلاقات الدولية، دراسة أكاديمية موضوعية، توضح أن ما يحكم هذه العلاقات هو القوة /‏ المصالح. وهناك نظريات كثيرة تشرح وتفسر هذه العلاقات، بجوانبها المختلفة، ولكنها لا تعترف إلا بما هو ملموس. وبالتالي، تتجاهل القوى غير الظاهرة، وما تمارسه من نفوذ، وإن كانت تهتم بدراسة وتحليل كل قوى الضغط والمصالح، ما ظهر منها وما خفي. ما يبدو هو وجود هذه القوة، أو السلطة العالمية الخفية، ووجود أذرع ضاربة لها في مفاصل العالم الاستراتيجية والاقتصادية. ونذكر هنا ببعض الجمعيات والأندية الخاصة بهذه القوة. فمن هذه الجهات: الماسونية، نادي «روتاري»...الخ.

ويمكن الرجوع إلى بعض المراجع الرصينة التي تتحدث - بتفصيلات موثقة- عن هذا الموضوع، والتي كتبها خبراء متمرسون، كشفوا الغطاء عن نشاط هذه القوة التي تخفى وهي تستشري. ومن أهم وأشهر من كتبوا عن هذا الموضوع، ونشروا ما كتبوه: «وليام غاي كار» ( W. G. Carr). وهو ضابط بحرية كنـدي، من أصـل إنجليزي، ولد عام 1895، وتوفي عام 1959. أصبح «كار» باحثا جامعيا متخصصا في دراسة التاريخ اليهودي والمسيحي، والتبحر في العلوم التوراتية. كان يجيد اللغتين العربية والعبرية، إضافة إلى لغتــه الإنجليزية. وقام أثناء تواجده في أمريكا بتأليف وإصدار كتابه الشهير، المعنون بـ «سرقة أمة» عام 1952، عرض فيه القضية الفلسطينية عرضا موضوعيا نزيها، وضح فيه بطلان ما يسمى بـ «الحق التاريخي لليهود» في فلسطين، وعدم تمشى دولة الاحتلال الإسرائيلي مع تعاليم التوراة. ويعتبر هذا الكتاب وثيقة علمية، تدين الحركة الصهيونية، وتدحض حججها العنكبوتية إياها - الواهية أصلا.

وقد كتب «كار» عدة كتب وأبحاث، تمحورت حول: وجود قوى شريرة خفية، تعمل على تسيير العالم والهيمنة عليه، ودفعه أحيانا للحروب والصراعات، وتشعل الحرائق هنا وهناك. ويعتقد أن هدفها الرئيس هو: نشر الشر، والأعمال الشيطانية بين بني البشر. وهذه القوى تتجسد في منظمات ونواد وجمعيات سرية مريبة، تتعاون لتحقيق أهدافها البشعة، ويغلب عليها التوجه اليهودي والصهيوني، والمتصهـين. وأهم كتبه التي وضح فيهــا رؤيته هذه كتـــابــه الشهـــير «أحجار على رقعة الشطرنج»، والذى ترجم إلى كل اللغات الحية، بما فيها العربية.

كتـــلمـــيذ لعلم السياسة والعلاقات الدوليـة، أعتقد أن خير ما يشرح «العلاقات الدولية» هو مفاهيم ونظريات هذا العلم. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود قوى خــفـــيــة، تدفع الدول - كما يبدو - نحو هذا الاتجاه، أو ذاك.

* كاتب سعودي