احتفى كثير من المغردين بجزئية تضمنها مقرر التأريخ في التعليم العام تتعلق بممارسات الدولة العثمانية (وليس الخلافة العثمانية) في الجزيرة العربية من سفك للدماء وتدمير للبلدات وتشريد وتضييق على الأهالي، والأهم محاربتها للدولة السعودية الأولى والثانية ودعم الأطراف المناهضة للملك عبدالعزيز أثناء تأسيسه الدولة السعودية الثالثة، وكذلك الإشارة إلى ما فعلته بالمواطنين العرب في البقاع الأخرى التي بسطت نفوذها عليها.

الاحتفاء الكبير بجزئية بسيطة في مقرر تأريخي له ما يبرره، فمن ناحية موضوع الاحتلال العثماني فإنه لم يكن يسمى كذلك في المقررات منذ فترة طويلة، بل تم تمجيده بأسلوب متعمد فيه مغالطة كبيرة وفاقعة ليكون خلافة إسلامية، وتم غسيل ذلك التأريخ الأسود ليصبح فتوحات مجيدة وحكماً رشيداً وحضارة عظيمة، لتترسخ في أذهان الناشئة صورة زاهية له محاطة بهالة من التبجيل والإجلال. كان ذلك من أساسات استراتيجية الفكر الإخواني الذي يسعى إلى إزاحة مفهوم الوطن في أذهان الأجيال ليذوب في مصطلح الأمة التي يحلمون بحكمها من خلال دغدغة العاطفة وتطويعها بتوظيف مصطلح الخلافة الإسلامية.

ومن ناحية ثانية فقد تعمد الرعيل الذي سيطر على مناهج التعليم بطمس مراحل نضال وطني ضد المحتل العثماني، لها رموزها وبطولاتها وتضحياتها الباهظة، بل وأغفل وهمّش أحداثا مهمة حتى في تأريخ تأسيس وتوحيد دولتنا الحديثة من أجل تكريس صورة هلامية للوطن لا تحفز على الانتماء له والفخر والاعتزاز به.

لقد كان مشروعاً خبيثاً وجهنمياً تكشفت ملامحه منذ وقت بعيد لكن سدنته كانوا يحيطونه بالحماية ويدافعون عنه ويدمرون كل من يقف ضده أو حتى يشير له، كانت كل المناهج من تفصيلهم، خصوصاً ما يتعلق بالتأريخ والفكر والوطن، مستغلين الدين كمظلة يتحركون تحتها ويستخدمونها في الدفاع والمواجهات.

كانت هناك خلطة شديدة الخطر من المنهج الظاهر والخفي تسببت في أضرار فادحة للوطن، لم تكن مواجهتها سابقاً بقدر ما تستوجبه خطورتها، لكن مرحلة الحزم والحسم تجاهها قد بدأت في هذه المرحلة، وما تصحيح بعض محطات التأريخ المغلوطة سوى إحدى نتائجها، وكم نتمنى استمرار تنقية تأريخنا من المغالطات والشوائب والدس لخدمة مشاريع مناهضة للوطن.