في وقت مبكر قبل وقوع الأزمة المالية في العام 2007-2008 كان الشعور بانهيار النظام المالي العالمي المهتز ذي الديون المتراكمة لا يعدو كونه مسألة وقت لا أكثر. وهذا ما أكده انهيار ليمان براذرز في ذلك الوقت، إذ بعد هذه الأزمة ظن العالم أن قادة الدول الكبرى أصبح لديهم من الحكمة والنضج ما يكفي ليمكنهم من مكافحة أي تداعيات اقتصادية مستقبلية من شأنها أن تعيد سيناريو مأساة العام 2008، ولكن ما يحصل الآن هو عكس ذلك تماماً فأطلقت الدول العنان لعجزها المالي ليزداد بصورة دراماتيكية متخذة طباعة النقود حلاً لتمويل هذا العجز. أيضا الخلافات السياسية لها نصيب مما يحدث الآن على الساحة العالمية وعلى رأسها تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي من المرجح أن يكون في شهر أكتوبر المقبل، وهناك احتمال خروج بريطاني من غير اتفاق مما يعني أن أوروبا على موعد مع تحديات كبيرة، إضافة إلى الحروب التجارية التي تعصف بكبرى اقتصاديات الغرب والشرق، وها هي حرب العملات أبت إلا أن تشارك مما يعني مزيداً من التعقيد للحالة السائدة في هذا الوقت.

منذ بداية الربع الرابع من العام 2018 وحالة عدم اليقين تخيم على الساحة الاقتصادية العالمية مما تسبب في تباطؤ اقتصادي، ولكن خلال الأسبوعين الماضيين حدثت تحولات في الأسواق المالية زادت من فرص دخول العالم في حالة ركود، خاصة إذا استمر الوضع الاقتصادي بشكل غير مستقر فإنه حتماً سيقود إلى بيئة أعمال صعبة مما يعني تراجع المداخيل وزيادة في أعداد العاطلين، فضلاً عن حالة عدم اليقين والخوف الذي سينتاب المستهلكين وغيرها من الآثار السلبية التي تصاحبهما والتي قد تظل باقية لفترات طويلة نسبياً.

ربما الأسباب التي ذكرتها أعلاه، والتي أدت إلى تفاقم الوضع الاقتصادي أصبحت واضحة للجميع، لذلك سأحاول التطرق إلى المؤشرات التي أفزعت المستثمرين وصناع القرار خلال الفترة الماضية والتي تشير إلى احتمالية دخول الاقتصادي العالمي في حالة رثة من الركود، يعد التباطؤ التجاري العالمي مؤشراً مهماً للوضع الاقتصادي العالمي، فعلى سبيل المثال نلاحظ تراجع الصادرات اليابانية للشهر الثامن على التوالي مع تحول سلبي في ثقة المصنعين للمرة الأولى منذ 6 سنوات في ثالث أقوى اقتصاد عالمي، وأيضاً دخول ألمانيا في حالة من النمو السلبي لربعيين متتالين مع أسعار فائدة سالبة ابتداً من الودائع لليلة واحدة إلى السندات ذات 30 عاماً. على الجانب الآخر الصين التي يمكن النظر إليها من خلال ثلاثة مؤشرات تساعد على التنبؤ بالوضع الاقتصادي لها كثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي أحجام الشحن واستهلاك الطاقة والقروض المصرفية، وهي في أدنى مستوياتها مقارنة بالعام 2017. دخول أمريكا وهي أكبر اقتصاد في العالم في حالة من الركود، يعني أنها من المحتمل أن تجر الكثير من دول العالم خلفها، ولعل السندات قصيرة الأجل التي يتم تداولها عند عائد أعلى من السندات طويلة الأجل، أعني انعكاس منحنى العائد الرئيسي للسندات بين سندات 10 أعوام والعامين مثلاً، هو واحد من المؤشرات ذات الدلالة السلبية، وهذا يشير إلى فقدان الثقة في الاقتصاد على المدى القصير، كما يدل على أن الأسواق تعاني من حالة فزع. في السنوات الأربعين الأخيرة كان انعكاس منحنى العائد على السندات مؤشراً على حدوث ركود مستقبلي، ولكن غير معروف وقت حدوثه، وثمة مؤشران آخران لا يقلان أهمية هما انخفاض عوائد السندات والتضخم منذ بداية العام 2019 اللذان يدلان على وجود تباطؤ اقتصادي، أما على صعيد المعادن الثمينة فربما أسعار الذهب والنحاس تعدّ أحد المؤشرات ذات الدلالة التي يستند عليها لمعرفة الحال للخارطة الاقتصادية العالمية، وغالباً في الفترات التي تسبق الركود أو أثناء الركود يلجأ المستثمرون إلى التخلص من معدن النحاس واللجوء إلى شراء الذهب مما يؤدي إلى ارتفاع الذهب مقابل النحاس لأن الذهب يعتبر مخزناً للقيمة خلال فترة الركود، وهذا ما نشهده في الفترة الحالية، وهو وصول أسعار الذهب عند أعلى مستوى منذ 6 سنوات.

هناك الكثير من التحليلات التي تشير إلى أن هناك أيادي تعبث بالاقتصاد العالمي من أجل تحقيق أهداف سياسية؛ لذلك سواء صحت هذه التحليلات أم لا فإن دخول العالم في حالة تباطؤ، ثم احتمالية الدخول في حالة ركود يتبعها حالة كساد سيجر الويلات للعالم أجمع في ظل اقتصاد عالمي مريض كان يعيش في السنوات العشر الماضية على المهدئات، ليعيش أكثر وقت ممكن؛ لهذه يطل علينا السؤال المهم: هل نحن على أعتاب أزمة مالية عالمية جديدة؟

* كاتب سعودي