ما يحدث اليوم في السعودية ليس خطوات إصلاحية ولا مشاريع جديدة، إنه أكبر من ذلك بكثير، وليس أنسب من سلمان بن عبدالعزيز ومحمد بن سلمان ليمثلا اللحظة المفصلية الجديدة في التاريخ السعودي وفي تاريخ المنطقة.

إن ما يحدث اليوم هو بالفعل ما يمكن وصفه بتحمل المسؤولية التاريخية تجاه هذه الدولة وشكلها وقيمها ومستقبلها وقوتها واستقرارها ومدنيتها.

برامج الرؤية ومشاريع التحول الاقتصادي والاجتماعي والحريات وغيرها من الخطوات والأعمال الجبارة التي يديرها بكل اقتدار ولي العهد ليست إلا أدوات لمشروع كبير وضخم وضروري؛ هو الحفاظ على الكيان وحمايته وتنزيهه من الأخطاء والأخطار في الداخل والخارج.

أي كيان سيظل متشبثا بآراء ومواقف لا علاقة لها بالعالم ولا بالواقع ولا بطموحات الناس وأحلامهم وحرياتهم هو كيان يخنق نفسه داخليا، ربما يساهم الرفاه الاقتصادي والوفرة المالية في تخفيف الشعور بذلك الاختناق مؤقتا لكنه لا يصنع مواطنة حقيقية ولا شراكة راسخة ويتسبب في حالة من انعدام التوازن في الشعور الوطني العام، لأن فكرة تدخل الدولة في الجوانب الأخلاقية التي تخضع للتنوع والاختلاف يؤدي بها لأن تعتمد رأيا واحداً على حساب بقية الآراء وتوجها واحداً على حساب البقية مما يمثل إخلالا بأهم قيم الدولة الوطنية الحديثة والمتمثلة في التنوع والتعدد.

هذا التفكير مستقبلي وبعيد المدى، وارتفاع الشعور الجمعي الوطني الصادق الذي يمكن ملاحظته في السنوات الأخيرة لدى مختلف شرائح المجتمع إنما يمثل انعكاسا لهذه التحولات التي جعلت الناس أكثر انتماء وعطاء وتطلعا لحياة كريمة متنوعة واعية ومتحضرة.

الإصلاح الاقتصادي اليوم يمثل ركنا أساسياً في عملية إعادة التوجيه والحفاظ على الكيان ومستقبله والخروج به من الاقتصاد الريعي الأبوي إلى الاقتصاد المنتج، ومن اقتصاد المصدر الواحد إلى اقتصاد استثمار كل مكامن القوة. الاقتصاد الريعي الأبوي يتسبب في بناء وعي ضار للأفراد ولمسؤولياتهم تجاه أنفسهم ومستقبلهم ويخرجون من دوائر العمل والإنتاج إلى دوائر الكسب والاستهلاك، كما أن اقتصاد المصدر الواحد يجعل العالم يحصر قوتك وأهميتك في ذلك المصدر فقط ويجعل استقرارك ومستقبلك رهينا بذلك المصدر وتقلباته.

الواقع السعودي اليوم وفي هذا الجانب اختلف كثيرا والحيوية والمشاريع الجديدة التي أطلقها شبان وشابات سعوديات بكل ثقة وإصرار والمؤسسات التي باتت مخصصة وموجهة لدعم قطاع الأعمال والتحول الكبير جدا في أنظمة التجارة والاستثمار والعمل الحر تعكس تحولا حقيقيا في وقت يسير علاوة أن إسهام مصادر غير نفطية في الميزانية العامة للدولة يتصاعد بشكل سنوي.

في الدولة تمثل المؤسسات غير الخدمية معيارا لخطاب الدولة وتوجهها، فوزارات كالتعليم والقضاء والشؤون الإسلامية والإعلام والمؤسسات العدلية كلها جهات يمثل خطابها ومحتواها مؤشراً مهما لمستوى مدنية الدولة؛ وفي الواقع لم يكن الحال مدنيا ولا إيجابيا في كثير من تلك الجهات، ناهيك عن الخطأ الجسيم الذي كانت تمثله دوريات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن كثيرا من تلك المؤسسات لم يكن خطابها ولا مشروعها وطنيا خالصا.

اتجهت السعودية الجديدة لبناء تلك المؤسسات من منطلق وطني جديد ومدني؛ تأسست النيابة العامة وأعيد بناء الأنظمة والتشريعات في كثير من جوانب المؤسسة العدلية ويتم بناء مشاريع كبرى ونوعية للتعليم العام والجامعي وتعيش الشؤون الإسلامية والأوقاف لحظة جديدة ومواجهة علنية مع الأفكار والمشاريع غير الوطنية.

الفنون والثقافة والترفيه التي طالما توارت عن حياة السعوديين دون اختيار منهم هي الآن ضمن خياراتهم الحياتية اليومية كغيرهم من سكان هذا الكوكب في كل حياة مدنية.

هذه اللحظات التاريخية في حياة هذا الكيان وفي حياة المنطقة أيضا ليست مجرد خطوات اصلاحية فقط، انها اعادة توجيه لهذا الكيان العظيم ليستأنف مرحلة جديدة من حياته ومستقبله

* كاتب سعودي